مواقيت الصلاة
الفجر : 04:17
الشروق : 05:43
الظهر : 12:45
العصر : 16:29
المغرب : 20:05
العشاء : 21:05
منتصف الليل : 23:55
الإمساك : 04:06
X
X
الاعلان

الآداب القلبيّة للوقت

الآداب القلبيّة للوقت

الآداب القلبيّة للوقت

تمهيد
إذا كان الوقت عبارة عن حركة الأشياء، فإنّه يجري بالنسبة لنا بحسب الأشياء التي نعيش فيها.

إذا كنّا قابعين في عالم المادّة ولا نرى سوى الطّبيعة، فالوقت ليس سوى حركة الشمس والقمر، أمّا إذا كان لنا حظّ من الحياة في العوالم الأخرى، فلا شكّ أنّ أوقاتها تختلف بحسب الأشياء فيها. إلى أن نصل إلى عالم لا نرى فيه إلا الله، فيكون الوقت هو تجلّيات الله.

وإذا كانت الساعة عند أهل الطّبيعة هي ملاحظة ما يمرّ فيها ويتغيّر، فإنّ ساعة المقرّبين عند مليك مقتدر ليست سوى ظهور الشؤون الإلهيّة، كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ1.

إنّ الصّلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا، فكيف يكون كتاب المصلّين بحسب مراتبهم ومقاماتهم؟

وإذا كانت الصّلاة هي ميعاد اللقاء، فما معنى اللقاء بالنسبة لمن هم عند الله تعالى؟

مراتب المصلّين بحسب مراعاتهم لأوقات الصلاة
يترتّب المصلّون بحسب مراقبتهم ورعايتهم لأوقات الصّلاة. ولأنّ الصّلاة ميعاد القرب ووقت الوصال، فلا شكّ بأنّ ملاحظة وقتها سيختلف بحسب أحوال المصلين في قربهم وبعدهم عن الله تعالى.

ولهذا قال الإمام الخميني قدس سره: "اعلم أنّ لأهل المعرفة وأصحاب المراقبة، على قدر قوّة معرفتهم بالمقام المقدّس الربوبّي واشتياقهم إلى مناجاة حضرة الباري عزّ اسمه، مراقبة لأوقات الصّلاة التي هي ميقات المناجاة وميعاد ملاقاة الحقّ"2.

بعض مراتب المصلّين!

1- أهل الجذبة:
"فالمجذوبون لجمال الجميل، والعاشقون للحسن الأزليّ والمشغوفون به، والسكارى من كأس المحبّة والمصعوقون من قدح "ألست"3، الذين فرغوا من الكونين وأغمضوا العين عن جميع أقاليم الوجود، وتعلّقوا بعزّ قدس جمال الله، فلهم دوام الحضور، وليسوا مبعدين عن الذكر والفكر والمشاهدة والمراقبة لحظة واحدة"4.

2- أصحاب المعارف:
"والذين هم أصحاب المعارف وأهل الفضائل والفواضل، وهم شرفاء النّفس وكرماء الطّينة، فلا يختارون على المناجاة مع الحقّ شيئًا، ويطلبون من الخلوة مع الحقّ ومن مناجاته نفس الحقّ، ويرَون أنّ العزّة والشرف والفضيلة والمعرفة كلّها في تذكّر الحقّ ومناجاته. فهم، إذا توجّهوا إلى العالم، ونظروا إلى الكونين يكون توجّههم ونظرهم إليها نظرًا عرفانيًّا، ويطلبون الحقّ في العالم، ويرَون جميع الموجودات جلوة للحقّ ولجمال الجميل (أنا للعالم عاشق، حيث منه الكون أجمع).

فهم يواظبون على أوقات الصّلاة بتمام أرواحهم وقلوبهم، وينتظرون وقت المناجاة مع الحقّ، ويحضّرون أنفسهم ويهيّئونها لميقات الحقّ. فقلوبهم حاضرة، ويطلبون من المحضر الحاضر، ويحترمون المحضر لأجل الحاضر، ويرَون أنّ العبوديّة هي المراودة والمعاشرة مع الكامل المطلق. فاشتياقهم إلى العبادة من هذا الباب"5.

3- أهل الآخرة:
"والذين يؤمنون بالغيب وعالم الآخرة ويعشقون كرامات الحقّ جلّ جلاله، ولا يستبدلون النّعم الأبدية الجنانية واللذّات والبهجات الدائمة السرمديّة بالحظوظ الداثرة الدنيويّة واللذائذ النّاقصة المؤقّتة المشوبة، فهؤلاء أيضًا في وقت العبادة التي هي بذور النّعم الأخرويّة، يحضّرون قلوبهم، ويقومون بالأمر بإقبال واشتياق، وينتظرون أوقات الصّلاة، فإنّها وقت حصول النتائج واكتساب الذخائر، ولا يختارون على النّعم الخالدة شيئًا. فهؤلاء أيضًا، حيث إنّ قلوبهم مطّلعة على عالم الغيب، وقد آمنت قلوبهم بالنّعم الأبدية واللذائذ الدائمة لعالم الآخرة، يغتنمون أوقاتهم ولا يضيّعونها، أولئك أصحاب الجنّة وأرباب النّعمة، هم فيها خالدون"6.

ويقول الإمام الخميني قدس سره: "هذه الطوائف المذكورة، وبعضها ممّا لم يُذكر، لهم من العبادة نفسها لذائذ على حسب مراتبهم ومعارفهم، وليس لهم كلفة وتكليف فيها أصلًا"7.

4- المقيّدون بالدّنيا:
فما حال من لم يكن للعبادة مراقبًا ولا إليها متشوِّقًا؟ وما الذي ينبغي أن يفعله حتى ينتقل من سجن الهوى واتّباعه؟ يقول الإمام الخميني قدس سره: "وأما نحن المساكين المبتلَون بالآمال والأماني، والمقيّدون بسلاسل الهوى والهوس، والمنغمسون في البحر المسجور الظلمانيّ للطبيعة، الذين لم تصل إلى شامّة أرواحنا رائحة من المحبّة والعشق، وما ذاقت قلوبنا لذّة من العرفان والفضيلة، فلسنا من أصحاب العرفان والعيان، ولا من أرباب الإيمان والاطمئنان، نرى العبادات الإلهيّة تكليفًا وكلفة، والمناجاة مع قاضي الحاجات ثقلًا وتكلّفا. لا نركن إلى شيء غير الدّنيا، التي هي معلف للحيوانات، ولا نتعلّق سوى بدار الطّبيعة التي هي معتكف الظّالمين، قد عميت أبصار قلوبنا عن جمال الجميل، وهجرت ذائقة أرواحنا ذوق العرفان"8.

آداب الوقت
ويذكر الإمام الخميني قدس سره مجموعة من الآداب المعنويّة التي تحصل من رعايتها الأحوال ويتحقّق تبعًا لها السّير نحو الوصال، فيقول قدس سره: "أنت أيّها العزيز، اغتنم وقت المناجاة هذا بالقدر الميسور والمقدار المقدور، وقم بآدابه القلبيّة، وهي:

1- وفهّم قلبك أنّ أساس الحياة الأبدية الأخروية ومنبع الفضائل النّفسانية ورأسمال الكرامات غير المتناهية هو المراودة والمؤانسة مع الحقّ ومناجاته، وخصوصًا الصّلاة، فإنّها مرهم روحانيّ، قد أُعدّ بيدي جمال الحقّ وجلاله، وهي أجمع وأكمل من جميع العبادات.
2- فبمقدار ما يمكنك، حافظ على أوقاتها، وانتخب أوقات فضيلتها، فإنّ فيها نورًا ليس في غيرها من الأوقات.
3- واقلل فيها من الاشتغالات القلبيّة، بل اقطعها"9.

المعرفة وأثرها على المصلّي
كلّ حياة معنوية في القلب، وحياة القلب بالذكر، ولا ذكر إلّا بحضور، ولا حضور إلا بالتوجّه، ولا توجّه إلّا بالمعرفة، لهذا يقول الإمام الخميني قدس سره: "ونحن أيضًا إذا تفكّرنا قليلًا، وفهّمنا قلبنا المحجوب المطرود أنّ أوقات الصّلاة هي أوقات الحضور في جناب القدس لحضرة ذي الجلال، وأنّ الحق تعالى ملك الملوك والعظيم المطلق في تلك الأوقات دعا عبده الضعيف اللاشيء إلى مناجاته، وأذن له بالدخول إلى دار كرامته حتّى يفوز بالسعادات الأبدية ويجد السرور والبهجات الدائمية، لكنّا مبتهجين ومسرورين من دخول وقت الصّلاة بمقدار معرفتنا.

وإذا استشعر القلب عظمة المقام وخطره، يحصل فيه الخوف والخشية بمقدار فهم العظمة. وحيث إنّ قلوب الأولياء مختلفة وحالاتهم متفاوتة بحسب التجلّيات اللطفيّة والقهرية واستشعار العظمة والرحمة، فحينًا يحملهم الشوق إلى الملاقاة واستشعار الرحمة والجمال على السرور والبهجة، ويقولون: أرحنا يا بلال، وحينًا تجعلهم التجليات بالعظمة والقهر والسلطنة في حالة الصعق والارتعاش والرعدة"10.

وبهذا التوجّه، يتهيّأ السّالك للوفادة على الله بشرط تحصيل شرطين، الأوّل: استشعار المذلّة والعجز والقصور الذاتيّ، والثاني النظر إلى عظم الحقّ وعلوّ شأنه عن أن تناله همم العالمين، فيقول الإمام قدس سره: "وبالجملة، أيّها الضعيف، إنّ الآداب القلبيّة للأوقات هي أن تهيّئ نفسك للدّخول إلى حضرة مالك الدّنيا والآخرة ومخاطبة الحقّ جلّ وعلا ومكالمته، فانظر بعينٍ إلى ضعفك ومسكنتك وذلّتك وعجزك، وبعين أخرى إلى العظمة والجلال والكبرياء للذّات المقدّسة جلّت عظمته، الذين كان الأنبياء والمرسلون والملائكة المقرّبون يصعقون في جنب عظمته، وبالعجز والمسكنة والذلّة معترفون.

فإذا نظرت بهذه النظرة وفهّمت قلبك، فليستشعر القلب الخوف ويرى نفسه وعباداته لا شيء... وانظر بعينٍ أخرى إلى سعة رحمة الذات المقدّسة وكمال عطفها وإحاطة رحمانيّتها، حيث إنّه أذن للعبد الضعيف، مع ما فيه من أنواع التلوّثات ومنتهى العجز والمسكنة، في الدخول إلى حضرة، قدسه ودعاه إلى مجلس أنسه بتشريفات، من إهباط الملائكة وإنزال الكتب السماويّة، وبعث الأنبياء والمرسلين من دون أن يكون لهذا الممكن المسكين سابقة استعداد، أو يكون لحضرته جلّ وعلا ـ نعوذ بالله ـ أو لملائكة الله أو الأنبياء عليهم السلام في هذه الدعوة والحضور نفع. فلا شكّ أنّ القلب، بهذا التوجّه، سيحصل له الأنس، ويستشعر الرّجاء والأمل.

فهيئ نفسك للحضور بقدمي الخوف والرجاء والرهبة والرغبة بقلبٍ خجل وفؤادٍ وجلٍ، واستشعار الانكسار والذلّة والضّعف والمسكنة، ولا ترَ لنفسك أيّ لياقة للحضور في هذا المحضر، ولا تعدّ نفسك لائقًا للعبادة والعبودية. واعتبر أنّ الإذن للدخول في العبادة والعبودية هو من شمول الرحمة وعميم لطف حضرة الأحدية جلّت قدرته، فإنّك إذا جعلت ذلّتك نصب عينيك، وتواضعت لذات الحقّ المقدّسة بروحك وقلبك، وعددت نفسك وعبوديّتك لا شيء، يتلطّف الحقّ تعالى ويرفعك ويخلّعك بخلع كراماته"11.

قطع الاشتغالات القلبيّة
ومن كان مشغول القلب بشؤون الدّنيا، فليعمل على الانقطاع عنها من خلال تدبيرها، وذلك إنّما يحصل - كما يقول الإمام - بتقسيم الوقت، وإعطاء الصّلاة وقتًا خاصًا، فيقول قدس سره: "هذا يحصل إذا قسّمت أوقاتك، وعيّنت للصلاة المتكفّلة لحياتك الأبدية وقتًا خاصًّا، لا يكون لك فيه أشغال أُخر، ولا تكون للقلب تعلّقات أخرى. ولا تجعل الصّلاة تزاحم الأمور الأُخر، كي تستطيع أن تريح القلب وتحضّره"12.

أحوال المعصومين عليهم السلام عند حضور وقت الصلاة
ويقول الإمام الخميني قدس سره: "والآن نذكر الأحاديث الواردة في أحوال المعصومين عليهم السلام على قدر اقتضاء المقام، فلعلّه بالتدبّر في حالات أولئك الأكرمين يحصل الانتباه، وتدرك عظمة الموقف وأهمّيّة المقام وخطره، وتستيقظ من نوم الغفلة.

فعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنّها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدّثنا ونحدّثه، فإذا حضرت الصّلاة فكأنّه لم يعرفنا ولم نعرفه، شغلًا بالله عن كلّ شيء"13.

وروي عن علي عليه السلام: كان إذا حضر وقت الصّلاة، يتململ ويتزلزل ويتلوّن، فيُقال له: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فيقول عليه السلام: "جاء وقت الصّلاة، وقت أمانة عرضها الله على السّماوات والأرض والجبال، فأبَيْنَ أن يحملنها، وأشفقْن منها"14.

ونقل السيد ابن طاووس في فلاح السائل: "كان الحسين عليه السلام إذا توضّأ يتغيّر لونه وتضطرب مفاصله، فقيل له في ذلك، فقال: "حقّ لمن يقف بين يدي ذي العرش أن يصفرّ لونه وتضطرب مفاصله"15. ونقل عن الحسن عليه السلام أيضًا مثل ذلك.

وعن علي بن الحسين عليه السلام: "كان إذا حضر للوضوء اصفرّ لونه، فيُقال له: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول: "ما تدرون بين يدي من أقوم؟"16"17.

ميقات الإنسان الكامل الخليفة الأعظم
يقول الإمام الخميني قدس سره: نعم، إنّ رئيس سلسلة أهل الحقّ وخلاصة أصحاب المحبّة والحقيقة يترنّم بقوله: أبيت عند ربّي يطعمني ويسقيني... فيا ربّ، ما هذه البيتوتة التي كانت لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم معك في دار الخلوة والأنس؟ وما هذا الطعام والشراب الذي أذقت بيدك هذا الموجود الشريف وأخلصته من جميع العوالم؟ فمن شأن ذلك السيد العظيم أن يقول: "لي مع الله وقت لا يسعه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل"18. فهل هذا الوقت من أوقات عالم الدّنيا والآخرة، أو أنّه وقت الخلوة في قاب قوسين وطرح الكونين؟

إنّ موسى عليه السلام صام صومًا موسويًّا أربعين يومًا، ووصل إلى ميقات الحقّ، قال تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً19، ومع ذلك، أين هذا الميقات من الميقات المحمدي؟ فلا نسبة بينه وبين الوقت الأحمديّ.

إنّ موسى في الميعاد خوطب بخطاب فاخلع نعليك، وقد فُسّر بمحبّة الأهل، والرسول الخاتم قد أُمر في ميعاده بأن يحبّ عليًّا، وفي القلب من هذا السرّ جذوة ما أبوح منها بشيء (أنت اقرأ بنفسك الحديث المفصّل من هذا المجمل)"20.

* من كتاب الآداب المعنوية للصلاة في ضوء فكر الإمام الخميني(قده).


1- سورة الرحمن، الآية 29.
2- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 120.
3- المراد "بألست" هنا قوله تعالى ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى سورة الأعراف، الآية 172.
4- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 120.
5- م.ن، ص 120 - 121.
6- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 121.
7- م.ن.
8- م.ن.
9- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 122.
10- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 123 - 124.
11- م.ن، ص 123 - 125.
12- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 122 - 123.
13- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج4، ص 100.
14- الطريحي، فخر الدين بن محمد، مجمع البحرين، تحقيق وتصحيح أحمد الحسيني الأشكوري، طهران، المرتضوي، 1417هـ، ط 3، ج6، ص 202.
15- راجع: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج77, ص346.
16- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج1، ص 355.
17- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 123.
18- راجع: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج18, ص360.
19- سورة الأعراف، الآية 142.
20- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 121 - 122.

| 1402 قراءة

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد