مواقيت الصلاة
الفجر : 04:22
الشروق : 05:43
الظهر : 12:35
العصر : 16:18
المغرب : 19:44
العشاء : 20:42
منتصف الليل : 23:50
الإمساك : 04:12
X
X
الاعلان

الاستعاذة من الشّيطان

الاستعاذة من الشّيطان

الاستعاذة من الشّيطان

تمهيد
لا معنى للحياة الدّنيا سوى أن تكون سفراً إلى الله تعالى، وفيها الزّاد والمسير والغاية، وكذلك تجاوز الموانع. ومن أشدّ الموانع على الإنسان ذلك العدوّ المسمّى إبليس، وجنوده من الجنّ والإنس، الذين لا همّ لهم سوى منعه من إكمال المسير، ومن ثمّ إسقاطه في لجّة الضياع واليأس، حتى ينتهي الأمر به إلى أودية جهنّم البعد والفراق والعذاب والشّقاء.

ولا شكّ بأنّ لوجود هذه العداوة في حياتنا فلسفة عميقة، أقلّ ما يُقال فيها أنّها تساهم في تعرّفنا إلى سرائرنا وما تخفيه نفوسنا، ففي مصارعة الشّيطان يدرك الإنسان الكثير من مكامن النفس وخباياها، ويتعرّف إلى عمق نواياه وغاياته. وكلّ هذا مشروط بأمرٍ أساسيّ، وهو الاستعاذة بالله تعالى من هذه الشّرور المخفيّة والمعلنة. ولهذه الاستعاذة مراتب وشروط سوف نتعرّف إليها في هذه الدّروس إن شاء الله تعالى.

أهمّيّة الحفاظ على العبادة من تصرّف إبليس
إنّ أوّل ما ينبغي أن نلتفت إليه هو خطورة هذا العدوّ ومدى ما يتمتّع به من إمكانات لغواية الإنسان وإضلاله، حيث إنّ الغفلة عن هذه العداوة وعواقبها هي السّبب الأوّل في السقوط والخسران، ولهذا يعمد الشيطان الرجيم إلى إخفاء ما يضمره للإنسان وإسباغ الخير والنصيحة عليه لكي يتمكّن منه، ولهذا أيضًا كان التحذير المتكرّر من الله تعالى في كتابه العزيز وعلى لسان أوليائه من الشّيطان ومكائده.

ولا شكّ بأنّ التعرّف إلى مكائد إبليس وحبائله ومكره وخُدَعه وحقيقة ما يضمره يساهم كثيراً في فتح العيون والبصائر على مسؤوليّة كبيرة تندرج تحت عنوان الاستعاذة بالله من الشّيطان الرجيم.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "من الآداب القلبيّة المهمّة للصّلاة وسائر العبادات، الحفاظ عليها من التصرّفات الشّيطانيّة، وهو في الوقت نفسه من أمّهات الآداب القلبيّة، والقيام به من عظائم الأمور وأدقّ الدقائق. ولعلّ الآية الشريفة في وصف المؤمنين الذين هم على صلواتهم يحافظون إشارة إلى جميع مراتب الحفظ التي تكون إحداها، بل أهمّها، الحفاظ عليها من تصرّفات الشّيطان"1.

ويقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "من الآداب المهمّة للقراءة، وخصوصًا القراءة في الصّلاة التي هي السّفر الروحانيّ إلى الله والمعراج الحقّيقيّ ومرقاة وصول أهل الله، الاستعاذة من الشّيطان الرّجيم، الذي هو شوكة طريق المعرفة ومانع السير والسلوك إلى الله، كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه في سورة الأعراف المباركة، حيث قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ2، فإنّه أقسم أن يسدّ الطّريق على أبناء آدم ويمنعهم عنه.

ففي الصلاة التي هي الصراط المستقيم للإنسانيّة ومعراج الوصول إلى الله، لا يتحقّق الوصول من دون الاستعاذة من هذا القاطع للطّريق، ولا يحصل الأمان من شرّه من دون الاستعاذة بحصن الألوهيّة الحصين"3.

ويقول قدس سره: "فلا بدّ أن نعلم بأنّ تأخّرنا عن هذا السّير الملكوتيّ والسّلوك الإلهيّ بسبب إغواء الشيطان والوقوع تحت السلطنة الشيطانيّة هو من قصورنا أو من تقصيرنا، حيث لم نقم بآدابه المعنويّة وشرائطه القلبيّة، كما إنّ عدم نيلنا في جميع الأذكار والأوراد والعبادات نتائجها الروحيّة والآثار الظاهريّة والباطنيّة فهو بسبب هذه المسألة الدقيقة"4.

دور الإنسان في هذا الصراع
إنّ إرجاع جميع النواقص والمشكلات المعنويّة وكلّ أنواع الشّقاء والآثام إلى الشّيطان الرّجيم لا يعني عدم تحمّل الإنسان للمسؤوليّة الكاملة عن مصيره، فالأمر لا يدور بين إلقاء اللوم على الإنسان أو على الشّيطان، لأنّ من يسمح لكلّ الآثار الشّيطانيّة بالنفوذ إلى النفس هو الإنسان نفسه، وهو الذي يقبل بسريان الإلقاءات الشيطانية والوساوس الإبليسيّة إلى عمق قلبه.

لكنّ هذا الإرجاع يساعد الإنسان على أمرٍ أساس هو غاية في الأهمّيّة، ولا يمكن معرفة أهمّيّته إلّا إذا عرفنا أمرين أساسيين، وهما:
1- إنّ بلوغ أيّ كمال غير ممكن ولا متيسّر إلّا في ظلّ الرّجوع إلى الله والاستفاضة التامّة منه.
2- وإنّ الإنسان في سيره هذا ليس سوى العجز والضعف والفقر. وما لم يدرك هذه الحقيقة لا يمكن له أن ينال ثمار الحقيقة الأولى. ومن كان عين الضعف فأنّى له الانتصار على مثل هذا العدوّ المبين؟!

لهذا يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "اللهمّ، إنّك تعلم ضعفنا ومسكنتنا، وتعلم أنّنا لا نستطيع الفرار من هذا العدوّ القويّ القدير الذي طمع في التسلّط على الأنبياء العظام والكمّل من الأولياء الرفيعي المقام، فإن فقدنا بارقة لطفك ورحمتك أوقعنا هذا العدوّ القويّ في مصارعتنا إيّاه أرض الهلاك والبوار، وصيّرنا تائهين في الظلمة والشقاوة، فأسألك بالخاصة في جنابك والمحارم في حضرتك أن تأخذ بيدنا نحن المتحيّرين في وادي الضلالة، والحائرين في صحراء الغواية، وأن تطهّر قلوبنا من الغلّ والغشّ والشّرك والشكّ، إنّك وليّ الهداية!"5.

ما هو إبليس؟ وما هي حقيقة تصرّفه؟
لكي نقترب أكثر من فهم القضيّة يجب أن نعرف ما هي حقيقة إبليس، وأن نتصوّر أهمّ ما يحدث مع السالك في سيره إلى الله تعالى. فحبائل إبليس الخبيث وتصرّفاته العدوانيّة ومكائده تستهدف نتائج السلوك المعنويّ في جميع مراتبه ومقاماته، وتسعى لتبديل الثمار الطيّبة إلى أخرى خبيثة، ليتمكّن معها من التحكّم بالإنسان وجعله عبدًا طائعًا له. وكلّ هذا من أجل أن يثبت هذا اللعين انتصاره المزعوم على ربّ العالمين!

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "فكلّ ما كان مانعًا له (للإنسان) من هذا السّفر وشوكًا في طريقه، فهو شيطانه، سواء أكان من القوى الرّوحانيّة الشّيطانيّة أم من الجنّ والإنس، لأنّ الجنّ والإنس أيضًا إذا كانوا شوك الطريق ومانعي السّلوك إلى الله، فإنّهم من أعوان الشيطان وتصرّفه، كما أشار إليه سبحانه وتعالى في سورة النّاس المباركة، حيث يقول: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ6، فإن كان الشّيطان جنّاً، يُستفاد من الآية الشريفة أنّ الوسواس الخنّاس الذي هو الشيطان جنٌّ وإنس، أحدهما بالأصالة والآخر بالتبعيّة، وإن كان الشيطان حقيقة أخرى شبيهة بالجنّ فيُعلم من الآية الشريفة أنّ هذين النوعين، يعني الجنّ والإنس، أيضاً تمثّلات شيطانيّة ومن مظاهره. وقد أشار إلى هذا المعنى في آية أخرى أيضاً، حيث يقول: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ7، وقد أشار سبحانه في هذه السورة المباركة إلى الأركان الأربعة المذكورة كما هو ظاهر"8.

ويقول قدس سره: "وهو إبليس اللعين والشّيطان الرّجيم، الذي يمنع الإنسان بحبائله المتنوّعة من الوصول إلى المقصد، وحصول المقصود. وما ذكره بعض أعاظم أهل المعرفة من أنّ حقيقة الشيطان عبارة عن جميع العالم بجنبته السوائيّة فليس بتام لدى الكاتب9، لأنّ الجنبة السوائيّة التي هي عبارة عن الصورة الموهومة العارية عن الحقيقة الخالية عن التحقّق والواقعيّة (هي) من حبائل إبليس التي يشغل الإنسان بها. ولعلّه إلى هذا المعنى أشير في قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ10، وإلّا فنفس إبليس حقيقة ذات تجرّد مثاليّ11، والحقيقة الإبليسيّة الكلّيّة التي هي رئيس الأبالسة والإبليس الكلّ أيضًا، كما أنّ الحقيقة العقليّة المجرّدة الكلّيّة، وهي آدم الأوّل، هي عقل الكلّ. وإنّ القوى الواهمة الجزئيّة الملكيّة من مظاهر إبليس وشؤونه، كما أنّ العقول الجزئيّة شؤون العقل الكلّيّ ومظاهره. وتفصيل هذا المقام وتحقيقه خارج عن مجال هذه الرسالة"12.

"وبالجملة، ما منعك عن الحقّ وحجبك عن جمال المحبوب الجميل فهو شيطانك، سواء أكان في صورة الإنسان أم الجنّ"13.

أدوات إبليس وحبائله
إنّ لإبليس من المكائد ما لا يُحصى. وقد أعدّ لكلّ إنسان بحسب مرتبته وحالاته مكيدة قد تأخذ العمر كلّه حتى تعطي نتيجتها وهي السقوط في قعر جهنّم. وإنّ التعرّف إلى بعض المكائد الخفيّة والدقيقة ممّا يساعد على تحقيق الاستعاذة، ولهذا يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "... وكلّ ما يمنعك به الشياطين عن المقصد والمقصود فهو حبائل الشيطان، سواء كان من سنخ المقامات والمدارج أو العلوم والكمالات أو الحرف والصنائع أو العيش والراحة أو المشقّة والذلّة أو غيرها، وهذه عبارة عن الدنيا المذمومة، وبعبارةٍ أخرى: إنّ تعلّق القلب بغير الحقّ هو الذي يمثّل الدنيا المذمومة، ومنها تنشأ حبائل الشيطان، ولا بدّ من الاستعاذة منها. وما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان يقول: "أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التي لا يجاوزهنّ برٌّ ولا فاجر، من شرّ ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شرّ ما ينزل من الأرض وما يخرج منها، ومن شرّ فتن الليل والنهار، ومن شرّ طوارق الليل والنهار، إلّا طارقًا يطرق بخير"14، فلعلّ المقصود منه هذا المعنى"15.

ويقول قدس سره: "... وبالجملة، ما كان في هذا السّلوك الإلهيّ والسير إلى الله مانعًا من السّير وشوكًا في الطريق فهو الشيطان أو مظاهره التي أعمالها هي عمل الشّيطان أيضًا. وما كان من عوالم الغيب والشّهود والعوارض الحاصلة للنفس وحالاتها المختلفة حجابًا لجمال المحبوب، سواء أكان من العوالم الملكيّة الدنيويّة كالفقر والغنى والصحّة والمرض والقدرة والعجز والعلم والجهل والآفات والعاهات وغيرها، أم كان من العوالم الغيبيّة التجرّديّة والمثاليّة، كالجنّة وجهنم، والعلم المتعلّق بها حتّى العلوم العقليّة البرهانيّة الراجعة إلى توحيد الحقّ وتقديسه كلّ ذلك من حبائل إبليس التي تمنع الإنسان عن الحقّ والأنس به والخلوة معه وتشغله بذلك، حتى الاشتغال بالمقامات المعنويّة والوقوف في المدارج الروحانيّة الذي ظاهره الوقوف في الصراط الإنسانيّ، وباطنه الوقوف في صراط الحقّ، الذي هو الجسر الروحانيّ لجهنّم الفراق والبعد، وينتهي إلى جنّة اللقاء. وهذا الجسر مخصوص بطائفة قليلة من أهل المعرفة وأصحاب القلوب، وهو من الحبائل العظيمة لإبليس الأبالسة، ولا بدّ من الاستعاذة منه بذات الحقّ المقدّسة جلّ شأنه"16.

عواقب إهمال الاستعاذة
فإلى أيّ مدى يمكن أن يؤول أمر الإنسان الذي يهمل هذه الاستعاذة، ولا يحافظ على عبادته وسيره المعنويّ من تصرّف الشيطان؟ يشير الإمام قدس سره، بعد مقدّمة طويلة حول أنواع الأغذية الروحيّة التي هي أساس التكامل المعنويّ، إلى أنّ إبليس اللعين له القدرة على التصرّف والتأثير بهذه الأغذية، فتكون النتيجة أن تتشكّل الشخصيّة المعنويّة للإنسان بواسطة غذاء إبليسيّ، وما كان أمره كذلك فعاقبته أن يصبح موجودًا إبليسيّاً شيطانيّاً.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:
"وتفصيل هذا الإجمال، إنّ من الواضح عند أصحاب المعرفة وأرباب القلوب، كما أنّ للأبدان غذاءً جسمانيًا تتغذّى به، ولا بدّ أن يكون الغذاء مناسبًا لحالها وموافقًا لنشأتها حتى تتيسّر لها التربية الجسمانيّة والنموّ النباتي، كذلك فإنّ للقلوب والأرواح غذاءً لا بدّ أن يكون مناسبًا لحال كلّ منها وموافقًا لنشأتها، كي تتربّى به وتتغذّى منه وتنمو نموّاً معنويّاً وتترقّى ترقّيًا باطنيّاً. والغذاء المناسب لنشأة الأرواح هو المعارف الإلهيّة، اعتبارًا من مبدأ مبادئ الوجود إلى منتهى نهاية نظام الوجود، كما قال أعاظم أرباب الصناعة الفلسفيّة في تعريف الفلسفة "هي صيرورة الإنسان عالماً عقليّاً مضاهياً للعالم العينيّ في صورته وكماله". وهذا القول يشير إلى هذا التغذّي المعنويّ، في حين أنّ تغذّي القلوب يُستمدّ من الفضائل والمناسك الإلهيّة.

وليُعلم أنّ كلًا من هذه الأغذية إذا خلُص من تصرّف الشيطان وأعدّ بيد الولاية للرسول الخاتم ووليّ الله الأعظم (صلوات الله عليهما وآلهما)، يتغذّى الروح والقلب منه وينالا الكمال اللائق بالإنسانيّة ومعراج القرب إلى الله...، لأنّ الأغذية الروحانيّة إذا لم تكن خالصة من تصرّف الشيطان وتدخّلت يده في إعدادها، فمضافًا إلى أنّه لا تتربّى بها الأرواح والقلوب، ولا تصل إلى الكمال اللائق بها، يحصل لها النقصان الفاحش أيضًا، ولعلّها تجعل صاحبها منسلكًا في سلك الشياطين والبهائم والسباع. وما كان سببًا للسعادة ورأسمال كمال الإنسانيّة والوصول إلى المدارج العالية، لَيعطي النتيجة المعكوسة ويسوق الإنسان إلى هاوية الشقاء المظلمة"17.

ويقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "فعلى سالك طريق الآخرة لزومًا حتمًا أن يخلّص معارفه ومناسكه من تصرّف الشيطان والنفس الأمّارة... فرّبما تتغلّب عليه إذا تسامح معها وتصرعه وتسوقه إلى الهلاك والفناء"18.

ويضيف الإمام قدس سره: "... فواهٍ لنا يوم نُعطى صور أعمالنا وصحيفة أفعالنا في ذلك العالم بأيدينا، ويقال ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبً19 وانظر، هل تليق تلك العبادات بالقبول من جنابه؟ وهل هذه الصلاة مع هذه الصورة المشوّهة الظلمانيّة مقرّبة لك إلى بساط الحضرة الكبريائيّة؟ وهل ينبغي لك أن تسلك مع هذه الأمانة الإلهيّة ووصيّة الأنبياء هذا السلوك؟ وهل يجوز أن تسمح ليد خيانة الشيطان الرجيم الذي هو عدوّ الله أن يتدخّل فيها؟ ولماذا صارت الصلاة التي هي معراج المؤمن وقربان المتّقين مبعدة لكم عن الساحة المقدّسة وعن جناب القرب الإلهيّ؟ فهل لنا في ذلك اليوم سوى الحسرة والندامة والشقاوة والخجلة من نصيب؟ يا لها من حسرة وندامة ليس لها في هذا العالم شبيه!

ويا لها من خجلة وندامة لا نقدر أن نتصوّر لها نظيرا! فإنّ الحسرات في هذا العالم مهما بلغت ممزوجة بآلاف أنواع الرجاء، وكذلك الندامات في هذه النشأة سريعة الزوال، وهذا بخلاف ذلك العالم، فإنّه يوم بروز الحسرة والندامة كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ20 ... فالأمر المنقضي لا يُجبر، والعمر التالف لا يُستعاد، فواحسرتاه على ما فرّطت في جنب الله!

"فيا أيّها العزيز، اليوم يوم الإمهال والعمل، وقد جاء الأنبياء وأتوا بالكتب والدعوات مع كلّ هذه المقدّمات والترغيبات، ومع تحمّلهم الآلام والشدائد كي يوقظونا من نوم الغفلة وينبّهونا من سكر الطبيعة، ويوصلونا إلى عالم النور ونشأة البهجة والسرور، وإلى الحياة الأبديّة والنعم السرمديّة واللذائذ الدائمة، وينجونا من الهلاك والشقاوة والنار والظلمة والحسرة والندامة، وكلّ ذلك لأجلنا ومن دون أن تعود عليهم ـ سلام الله عليهم ـ نتيجة، ومن دون أن تكون لتلك الذوات المقدّسة حاجة لإيماننا وأعمالنا. ومع ذلك ما أثّرت فينا دعوتهم، وقد أخذ الشيطان بمسامع قلوبنا وتسلّط على باطننا وظاهرنا، بحيث لم يؤثّر فينا شيء من مواعظهم أيّ أثر، بل لم يصل إلى سمع قلوبنا شيء من الآيات والأخبار، وما تجاوز ظاهر السمع الحيوانيّ"21.

نماذج من ضحايا إبليس
كم هو مهمّ أن نتعرّف على صرعى إبليس، فإنّهم هم أناس لسنا عنهم ببعيدين، بل قد تكون أحدهم أيضاً، ولسان حالنا سيقول بعد هذا الكلام، إنّ كلّ واحد منّا في معرض السقوط الإبليسيّ. ولعلّ هذا هو الهدف العمدة من ذكر هذه النماذج لكي تتحقّق الاستعاذة بتمامها، يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:

1- كما رأينا في بعض أهل العرفان الاصطلاحيّ أشخاصًا انتهت بهم هذه الاصطلاحات والغور فيها إلى الضلالة، وجعلت قلوبهم منكوسة وبواطنهم مظلمة، وصار الاشتغال في المعارف موجبًا لقوّة أنانيّتهم وإنّيّتهم حتى صدرت منهم الدعاوى غير اللائقة والشطحات غير المناسبة.

2- وكذلك رأينا في أرباب الرياضات والسلوك أفرادًا أدّت رياضتهم واشتغالهم بتصفية النفس إلى جعل قلوبهم أكدر وباطنهم أظلم، وكلّ ذلك لم يكن إلّا لأنّهم لم يحافظوا على سلوكهم المعنويّ الإلهيّ ومهاجرتهم إلى الله، وكان سلوكهم العلميّ وارتياضهم بتصرّف الشّيطان والنفس وإلى الشّيطان والنفس.

3- وكذلك رأينا في طلاب العلوم النقليّة الشرعيّة أفرادًا أثّر فيهم العلم الأثر السيئ، وزاد في مفاسدهم الأخلاقيّة. والعلم الذي لا بدّ أن يكون موجبًا لفلاحهم ونجاتهم، صار سببًا لهلاكهم ودعاهم إلى الجهل والمماراة والاستطالة.

4- وكذلك في أهل العبادة والمناسك والمواظبين على الآداب والسنن أشخاص جعلت العبادة والنسك ـ التي هي رأسمال إصلاح الأحوال والنفوس ـ قلوبهم كدرة ومظلمة، وحملتهم على العجب ورؤية النفس والكبر والتغمّز وسوء الخلق وسوء الظنّ بعباد الله، وهذا كلّه أيضاً من عدم المواظبة على هذه المراهم الإلهيّة.

ومن المعلوم أنّ مرهماً هُيِّئ وأُعدّ بيد العفريت الخبيث وبتصرّف النفس الطاغية، لا يتولّد منه إلّا الخلق الشيطانيّ. وحيث إنّ القلب يتغذّى من تلك الأغذية على أيّ حال، وتصير الأغذية صورة باطنية للنفس، فبعد أن يداوم عليها مدّة يصير الإنسان من مواليد الشيطان، وقد تربّى على يديه، ونشأ ونما تحت تصرّفه. فإذا أغمض عينه الملكيّة وانفتحت عينه الملكوتيّة، يرى نفسه من الشياطين، فلا نتيجة في تلك الحال سوى الخسران، ولا تغني عنه الحسرات والندامات شيئاً22.

ضرورة مواجهة إبليس
لقد عرفتَ ما لهذا العدوّ المبين من خطر على سلوكك ومصيرك، وعلمت أنّ التخلّص منه صعب جدًّا ومستحيل طالما أنّنا نعتمد على أنفسنا ونثق بها، فلا سبيل للنجاة إلا بالاستعاذة التامّة بالحقّ المتعال23، لهذا يقول الإمام قدس سره: "فعلى سالك طريق الآخرة لزومًا حتمًا أن يخلّص معارفه ومناسكه من تصرّف الشيطان والنفس الأمّارة مهما بلغ من الجهد، وأن يغوص في حركاته الباطنيّة وتغذياته الروحيّة، ولا يغفل عن حيل النفس والشيطان وحبائل النفس الأمّارة وإبليس، وأن يسيء الظنّ بشكل كامل في جميع حركاته وأفعاله، ولا يدع نفسه على رسلها آنًا ما..."24.

ويقول قدس سره: "فعلى سالك طريق الآخرة في كلّ فرع من الفروع الدينيّة، وفي كلّ طريق من الطرق الإلهيّة:
أولاً: أن يراقب حاله بكمال الانتباه والدقة، كطبيب رفيق ورقيب شفيق، ويفتّش بالدقّة عن عيوب سيره وسلوكه.
ثانياً: ألّا يغفل خلال هذه المراقبة والتفتيش عن الاستعاذة بالذات المقدّسة الحقّ جلّ وعلا في خلواته والتضرّع والاستكانة إلى جنابه الأقدس ذي الجلال"25.

* كتاب الآداب المعنوية للصلاة في ضوء فكر الإمام الخميني(قده).


1- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص34.
2- سورة الاعراف، الآية 16.
3- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص229 - 230.
4- م.ن، ص230.
5- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص37.
6- سورة الناس، الآيات 4 - 6.
7- سورة الأنعام، الآية 112.
8- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص237 - 238.
9- الكاتب: هو الإمام الخمينيّ قدس سره.
10- سورة التكاثر، الآيتان 1 - 2.
11- التجرد المثالي هو التجرّد الخيالي ويصطلح عليه أيضا بالتجرّد البرزخي. وهو مرتبط بعالم الصورة لا عالم المادة.
12- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 239.
13- م.ن، ص240.
14- راجع: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج60، ص329.
15- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 240.
16- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص239 - 240.
17- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص34 - 35.
18- م.ن، ص35.
19- سورة الإسراء، الآية 14.
20- سورة مريم، الآية 39.
21- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص47 - 50.
22- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص35 - 36.
23- سيتّضح أكثر كيفيّة مواجهة إبليس والتخلّص منه في الدروس اللاحقة.
24- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص35.
25- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص36 - 37.

| 1137 قراءة

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد