مواقيت الصلاة
الفجر : 04:22
الشروق : 05:43
الظهر : 12:35
العصر : 16:18
المغرب : 19:44
العشاء : 20:42
منتصف الليل : 23:50
الإمساك : 04:12
X
X
الاعلان

الاعتبارات القلبيّة لستر العورة

الاعتبارات القلبيّة لستر العورة

الاعتبارات القلبيّة لستر العورة

تمهيد
ليس السّير والسّلوك في حقيقته سوى استحضار الواقع الوجوديّ الكبير ومعايشته.

وحقيقة النّفس تختصر هذا الواقع، بل هي عُصارته، وفيها انطوى العالم الأكبر، ولهذا كانت معرفتها سبيلًا لمعرفة الواقع المطلق وحقيقة الحقائق.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن معرفة حقيقة أيّ معلول إلّا بمعرفة علّته التامّة، فذوات الأسباب لا تُعرف إلّا بأسبابها. وحيث إنّ الله تعالى هو العلّة التامّة الوحيدة لكلّ شيء، فإنّ معرفة الله هي أساس معرفة كلّ شيء. فمعرفة الله كامنة في النّفس، وعلى السّالك أن يكشف الحجب عنها ليدركها. وهناك تنكشّف له حقيقة ارتباط الأشياء بالله تعالى.

فإذا عرف السّالك هذا الارتباط وعاشه بقلبه وظهر في جوارحه، تحقّق له السّلوك.

وتؤدّي هذه المعرفة إلى إدراك موانع الارتباط والحجب التي أُسدلت على أعين القلوب فمنعتها من شهود الحقيقة.

وعندما يزيل الإنسان مثل هذه الحجب ويراعي أدب الستر بالرّجوع إلى الساترة الإلهيّة، فسوف تزول من أمامه كلّ الموانع التي ترجع جميعًا إلى رؤية النّفس مقابل الحقّ تعالى.

حقيقة الارتباط بين المخلوق والخالق
يقول الإمام الخميني قدس سره في شرح حقيقة الرابطة بين الخالق والمخلوق: "رُوي في الكافي والتوحيد أنّ الصّادق عليه السلام قال: "إنّ روح المؤمن لأشدّ اتّصالًا بروح الله من اتّصال شعاع الشّمس بها"1.

وقد ثبت بالبرهان القويّ المتين في العلوم العالية أنّ جميع دائرة الوجود من أعلى مراتب الغيب إلى أدنى منازل الشّهود هي عين التعلّق والرّبط ومحض التدلّي والفقر إلى القيّوم المطلق جلّت عظمته.

ولعلّه أشير إلى هذا المعنى في الآية المباركة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ2.

فإذا لم يكن لموجود من الموجودات في حال من الحالات وآنٍ من الآنات وحيثيّة من الحيثيّات، تعلّق بعزّ القدس الرّبوبيّ، لخرج عن بقعة الإمكان الذاتيّ والفقر ودخل في حريم الوجوب الذاتيّ والغنى"3.

كيفيّة الوصول إلى حقيقة الإيمان ونوره
فإذا أدرك المرء هذه الحقيقة، وعرف آثارها، يجب عليه أن ينهض لكتابتها على لوح قلبه من خلال الرّياضة القلبيّة التي جرى الحديث عنها في مراتب السّلوك ومقاماته، يقول الإمام الخميني قدس سره: "وعلى العارف بالله والسّالك إلى الله أن يكتب هذا المطلب البرهانيّ الحقّ وهذه اللطيفة الإلهيّة العرفانيّة على لوح القلب بواسطة الرّياضات القلبيّة، ويخرجها من حدّ العقل والبرهان إلى حدّ العرفان، حتى تتجلّى في قلبه حقيقة الإيمان ونوره، فإنّ أصحاب القلوب وأهل الله ينتقلون من حدّ الإيمان إلى منزل الكشف والشّهود. وهو يحصل بالمجاهدة الشديدة والخلوة مع الله والعشق في الله.

كما في مصباح الشّريعة، إنّ الصادق عليه السلام قال: "العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع الله، لو سها قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقًا اليه، والعارف أمين ودائع الله وكنز أسراره ومعدن نوره ودليل رحمته على خلقه ومطيّة علومه وميزان فضله وعدله، قد غني عن الخلق والمراد والدّنيا، ولا مؤنس له سوى الله، ولا نطق ولا إشارة ولا نفس إلّا بالله، لله، من الله، مع الله"4"5.

ما هو أثر هذه الحقيقة في السّلوك؟
ومثل هذه المعرفة القلبيّة إذا امتزجت بالفطرة الصافية ظهرت في وجود السّالك بحالة الخشية والخوف والتعظيم وإدراك خطورة المحضر والالتزام بلوازمه، ولهذا يقول الإمام الخميني قدس سره: "إذا رأى السّالك نفسه حاضراً في محضر الحقّ المقدّس جلّ وعلا، بل وجد باطنه وظاهره وسرّه وعلنه عين الحضور... وبالجملة، إذا رأى السّالك نفسه بجميع شؤونه عين الحضور يستر جميع عوراته الظّاهريّة والباطنيّة لحفظ المحضر وأدب الحضور، ولأنّه وجد أيضًا أنّ كشف العورات الباطنيّة في محضر الحقّ أقبح وأفضح من كشف العورات الظّاهريّة بمقتضى الحديث "إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم"6.

فما هي العورات الباطنيّة؟
يقول الإمام الخميني قدس سره: "والعورات الباطنيّة هي ذمائم الأخلاق وخبائث العادات والأحوال الخُلقية الرّديئة التي تسقط الإنسان من لياقة المحضر وأدب الحضور. وهذا السّقوط هو أوّل مرتبة من مراتب هتك الستور وكشف العورات"7. فإذا عرف السالك ماهيّة هذه العورات الباطنية وأثرها الوخيم على سيره التكاملي أدرك خطورة بقائها، ولم يستهتر بوجودها.

أصل جميع العورات
وفي المقابل، فإنّ أصل جميع القبائح هو ما يرجع إلى العدم، وهو المعبّر عنه بما سوى الله تعالى، لأنّ الله تعالى هو الوجود المطلق، وكلّ ما عداه عدم، لهذا يقول الإمام الخميني قدس سره: "إنّ أهل المعرفة وأصحاب السّابقة الحسنى يعلمون أنّ جميع التعيّنات الخَلقية والكثرات العينيّة ظلمات، والنّور المطلق لا يحصل إلّا بإسقاط الإضافات وكسر التعيّنات التي هي أصنام طريق السّالك. فإذا اضمحلّت وانطمست ظلمات الكثرات الفعليّة والوصفيّة في عين الجمع تكون جميع العورات مستورة ويتحقّق الحضور المطلق والوصول التامّ.

والمصلّي في هذا المقام، كما أنّه مستورٌ بالحقّ، فهو مصلٍّ بصلاة الحقّ. ولعلّ صلاة معراج خاتم الرّسل صلى الله عليه وآله وسلم كانت بهذه الطريقة في بعض المقامات والمدارج، والله العالم"8.

لا ساتر إلا الله
إنّ ستر العورات، بل كلّ تزكية وطهارة لا يمكن أن تُنال إلا بتأييد الله المنّان، لأنّ كلّ خير منه على سبيل التفضّل، ويستحيل أن يبلغ موجود كماله إلّا برحمة الله وتفضّله، ولهذا كان مبدأ جميع الخيرات وأصل كلّ الكمالات التمسّك بالتوحيد الخالص، وهو أحد معاني الحديث القدسيّ الشّريف: "كلمة لا إله إلا الله حصني"9. وحيث إنّ ستر العورات في محضر الحقّ المتعال واجب، وإلا عُدّ الإنسان مجترئًا على ربّه ووليّ نعمته، فلا بدّ من التمسّك بستّاريّة الحقّ تعالى واستحضار معناه في مثل هذا الموقف العظيم، لهذا يقول الإمام الخميني قدس سره: "وليُعلم أنّ الانسان، إن لم يستر نفسه بحجاب ستّاريّة الحقّ وغفّاريته تعالى، ولم يقع تحت اسم الستّار والغفّار مع طلب الغفارية والستّاريّة، فربّما إذا طُوي ساتر الملك وارتفع حجاب الدّنيا، تهتك ستوره في محضر الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين عليهم السلام. ولا يعلم قباحة كشف تلك العورات الباطنية وخزيها سوى الله"10.

كيفية الوصول إلى ستر الله الأعظم
"إنّ اللباس الحقيقيّ للإنسان هو ما يتناسب مع إنسانيّته. وحيث إنّ هذا الكائن هو خليفة الله، فلا بدّ أن يكون ممثّلًا للمستخلِف. ومن هنا، كان تعليم آدم الأسماء كلّها عنوانًا لخلافته وتعبيرًا عن حقيقته. وباختصار: إنّ تحقّق الإنسان بمقام الأسماء والمعبّر عنه بمظهر الاسم الأعظم هو الذي يعطيه هويّته ويظهره على الحقيقة التي خلقه الله لها. فما لم يلبس الإنسان لباس صفات المولى، وما لم يصبغ وجوده بصبغة الله كما قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ11، فلن يكون مستور العورات، وسوف تبقى قبائحه معلنة وسيّئاته بارزة، لهذا يقول الإمام الخميني قدس سره: "فعلى السّالك إلى الله أن يبدّل أوصافه وأخلاقه السيّئة إلى الأوصاف الكاملة ويفنى في بحر الأوصاف الكماليّة للحقّ، هذا البحر المتلاطم غير المتناهي، ويبدّل الأرض المظلمة الشّيطانية بأرضٍ بيضاء مشرقـة ويجد فـي نفسه ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَ12، ويحقّق في مملكة وجوده مقام أسماء الجمال والجلال للذّات المقدّسة، فيقع في هذا المقام في ستر الجمال والجلال، ويتخلّق بأخلاق الله ويستر قبائح التعيّنات النّفسيّة والظّلمات الوهميّة بشكلٍ كامل.

فإذا تحقّق بهذا المقام، يقع موردًا للعنايات الخاصّة للحقّ جلّ جلاله، ويؤيّده الحقّ بلطفه الخفيّ الخاصّ، ويستره تحت حجاب كبريائه على نحوٍ لا يعرفه غيره، وهو أيضًا لا يعرف غير الحقّ "إنّ أوليائي تحت قبابي، لا يعرفهم غيري"13، وفي الكتاب الإلهيّ المقدّس إشارات كثيرة في هذا الموضوع لأهلها، كما في قوله تعالى: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ14"15.

حديث حول اللباس المعنويّ
وفي الختام يذكر الإمام الخمينيّ قدس سره حديثًا منسوبًا إلى الإمام الصّادق عليه السلام، وهو يشير إلى اللباس المعنويّ، فيقول: "فعن مصباح الشّريعة، قال الصّادق عليه السلام: "أزين اللباس للمؤمن لباس التّقوى، وأنعمه الإيمان"16، قال الله عز وجل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ17. وأمّا اللباس الظّاهر فنعمة من الله يستر عورات بني آدم، وهي كرامة أكرم الله بها عباده ذرية آدم، لم يكرم غيرهم، وهي للمؤمنين وسيلة لأداء ما افترض الله عليهم.

وخير لباسك ما لا يشغلك عن الله عزّ وجلّ، بل يقرّبك من شكره وذكره وطاعته، ولا يحملك فيها إلى العجب والرياء والتزيّن والمفاخرة والخيلاء، فإنّها من آفات الدين ومورثة القسوة في القلب.

فإذا لبست ثوبك، فاذكر ستر الله عليك ذنوبك برحمته، وألبس باطنك بالصدق كما ألبست ظاهرك بثوبك، وليكن باطنك في ستر الرهبة وظاهرك في ستر الطاعة، واعتبر بفضل الله عزّ وجلّ، حيث خلق أسباب اللباس لتستر العورات الظّاهرة، وفتح أبواب التوبة والإنابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء.

ولا تـفضح أحدًا حيـث ستـر الله عليك أعظم منه، واشتغل بعيب نفسك، واصفح عمّا لا يعنيك حاله وأمره، واحذر أن تفني عمرك لعمل غيرك، ويتّجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك، فإنّ نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله تعالى في العاجل وأوفر أسباب العقوبة في الآجل. وما دام العبد مشتغلًا بطاعة الله تعالى ومعرفة عيوب نفسه وترك ما يشين في دين الله، فهو بمعزل عن الآفات، خائض في رحمة الله عزّ وجلّ، يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة والبيان. وما دام ناسيًا لذنوبه جاهلًا لعيوبه راجعًا إلى حوله وقوّته، لا يفلح إذًا أبدًا"18.

* كتاب الآداب المعنوية للصلاة في ضوء فكر الإمام الخميني(قده)


1- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 166.
2- سورة فاطر، الآية 15.
3- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 105.
4- الامام جعفر الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، ج3، ص 14.
5- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 105 - 106.
6- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 106.
7- م.ن.
8- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 108.
9- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 49، ص 126.
10- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 106.
11- سورة البقرة، الآية 138.
12- سورة الزمّر، الآية 69.
13- الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت، دار الكتاب العربي، لا.ت، لا.ط، ج 4، ص 256.
14- سورة البقرة، الآية 257.
15- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 107 - 108.
16- الامام جعفر الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، ص 30.
17- سورة الأعراف، الآية 26.
18- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 108 - 109.

| 1066 قراءة

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد