مواقيت الصلاة
الفجر : 04:22
الشروق : 05:43
الظهر : 12:35
العصر : 16:18
المغرب : 19:44
العشاء : 20:42
منتصف الليل : 23:50
الإمساك : 04:12
X
X
الاعلان

الآداب القلبيّة للطهارة المائية

الآداب القلبيّة للطهارة المائية

الآداب القلبيّة للطهارة المائية

تمهيد

الطّهارة مقدّمة ضروريّة لنيل البركات وتحصيل الكمالات، والماء عنصر أصليّ في تحقيق الطّهارة.

فما هو سرّ جعل الماء وسيلة للطهارة؟ وإذا كانت الطّهارة المعنويّة أساس الاستفادة المعنويّة من العبادة، فما هو المعنى الباطنيّ للماء؟

عندما نتفكّر في وجود الماء في الحياة الدّنيا، لا يمكن أن نتصوّر حياة فيها بلا ماء، فكلّ حياة وحركة إيجابية فيها مبنيّة على توفّره، لهذا كان الماء أعظم مظاهر رحمة الحقّ في عالم الطّبيعة.

وعلى السّالك أن ينطلق من هذا المعنى حين توجّهه إلى الوضوء مستعملًا الماء، فيطلب بذلك رحمة الله المطلقة، ويستحضر في قلبه كلّ معاني هذه الرّحمة على اختلاف العوالم وتعدّد مراتب الوجود.

وإذا أدرك المؤمن هذه الرّحمة فإنّه يصبح مظهرًا لها في تعامله مع نفسه ومع الخلق ومع الخالق، كما في قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَ1.

ولكلّ تعامل رحمانيّ مظاهر وتجليّات، فما هي هذه المظاهر؟

نصّ شريف حول سرّ الماء
يستحضر الإمام الخميني قدس سره لأجل بيان بعض أسرار الطّهارة والتوجّه إلى الماء أثناء الوضوء نصًّا شريفًا للإمام الصادق عليه السلام، ثمّ يقوم بشرحه واستخراج جواهر معانيه ويعرضها علينا، ونحن نقوم بتبويب هذه المعاني لتكون أسهل على الفهم وأقرب إلى الحفظ، فيقول الإمام قدس سره: "ونذكر في المقام الحديث الشريف من مصباح الشّريعة كي يحصل للقلوب الصافية لأهل الايمان منه نورانية، ففي مصباح الشّريعة قال الصادق عليه السلام: "إذا أردت الطّهارة والوضوء فتقدّم إلى الماء تقدّمك إلى رحمة الله.

فإنّ الله قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ودليلاً على بساط خدمته. وكما أنّ رحمة الله تطهّر ذنوب العباد كذلك النّجاسات الظّاهرة يطهّرها الماء لا غير، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورً2، وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ3، فكما يحيي به كلّ شيء من نعيم الدّنيا كذلك برحمته وفضله جعل حياة القلوب الطّاعات.

وتفكّر في صفاء الماء ورقّته وطهارته وبركته ولطيف امتزاجه بكلّ شيء واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها، وأتِ بآدابها في فرائضه وسننه، فإنّ تحت كلّ واحدة منها فوائد كثيرة، فإذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عيون فوائده عن قريب.

ثمّ عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالأشياء يؤدّي كلّ شيء حقّه ولا يتغيّر معناه، معتبرًا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مثل المؤمن المخلص الخالص كمثل الماء.

ولتكن صفوتك مع الله تعالى في جميع طاعتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء وسمّاه طهورًا وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء"4"5.

يقول الإمام قدس سره: "وفي هذا الحديث لطائف ودقائق وإشارات وحقائق تحيي قلوب أهل المعرفة، وتهب الحياة للأرواح الصافية لأصحاب القلوب"6، فما هي أهم هذه الإشارات واللطائف؟

مثال الماء ورمزيّته في عالم الوجود
يقول الإمام الخميني قدس سره: "ومن نكات تشبيه الماء، بل تأويله برحمة الحقّ، أنّ الماء أحد المظاهر العظيمة لرحمة الحقّ التي أنزلها في عالم الطّبيعة وجعله سببًا لحياة الموجودات، بل أهل المعرفة يعبّرون بالماء عن الرّحمة الإلهيّة الواسعة التي نزلت من سماء "رفيع الدرجات" لحضرة الأسماء والصفات وأحيى بها أراضي تعيّنات الأعيان"7.

إنّ من معاني السّماوات السّبع أنّها حضرات تجلّي الأسماء الإلهيّة، وتكون كلّ سماء محلًّا لتجلّي اسم أو أسماء. والسّير في السّماوات هو تعبير عن الارتقاء في مراتب معرفة الله والتخلّق بأخلاقه.

والرّحمة الإلهيّة التي تعني إيصال كلّ موجود إلى كماله تظهر في فتح أبواب السّماوات على السّالكين، لأنّ عروج الإنسان وتكامله إنّما يحصل في ظلّ معرفة الله تعالى وشهوده.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "وحيث إنّ تجلّي الرّحمة الإلهيّة في الماء المُلكيّ الظّاهريّ أكثر من سائر الموجودات الدنيويّة، جعله الله تعالى لتطهير القذارات الصوريّة ومفتاح باب قربه ومناجاته والهادي إلى بساط خدمته الذي هو باب أبواب الرّحمة الباطنيّة"8.

ويُعلم من هذا الكلام أنّ الطّهارة هي سبب الوصول إلى الغاية، وأنّ الشقاء ليس إلّا رفض هذه الرّحمة الخاصّة التي وسعت كلّ شيء، وأنّ التفكّر برحمة الله أثناء استعمال الماء للطهارة هو الذي يفتح أبواب الطّهارة القلبيّة بجميع درجاتها، يقول الإمام الخميني قدس سره: "بل ماء رحمة الحقّ تعالى إذا نزل وظهر في كلّ نشأة من نشآت الوجود، وفي كلّ مشهد من مشاهد الغيب والشهود، يطهّر ذنوب عباد الله وفقاً لتلك النشأة وبما يناسب ذلك العالم"9.

مراتب الطّهارة بحسب تجلياّت الرحمة
وفي المقابل، فإنّ حقيقة الذنب هي كلّ ما يكون مانعًا من الوصول إلى الغاية القصوى والمقصد الأسمى الذي هو الفناء في الله والبقاء به، فكلّ تعيّن أو مقام هو دون الغاية القصوى يصبح مانعًا إذا رآه الإنسان غاية، ويكون بهذا المعنى ذنبًا كذلك. وبمناسبة الحديث عن الرحمة المطلقة المعبّر عنها بالماء المطلق الذي يطهّر كلّ شيء، يذكر الإمام مراتب الطّهارة من أعلى إلى أسفل، فيقول:

1- فبماء الرحمة النازل من سماء الأحدية تطهر ذنوب غيبة تعيّنات الأعيان.

2- وبماء الرحمة الواسعة النازلة من سماء الواحدية تطهر ذنوب عدميّة الماهيّات الخارجيّة، وفي كلّ مرتبة من مراتب الوجود طبقًا لتلك المرتبة. وفي مراتب نشآت الإنسانية أيضاً لماء الرحمة ظهورات مختلفة:
أ- كما أنّه بالماء النازل من حضرة الذات إلى التعيّنات الجمعيّة البرزخيّة تطهَّر ذنوب السرّ الوجوديّ، "وجودك ذنب لا يقاس به ذنب".
ب- وبالماء النازل من حضرات الأسماء والصّفات وحضرة التجلّي الفعليّ تطهَّر رؤية الصّفة والفعل.
ج- وبالماء النازل من سماء حضرة الحَكم العدل تطهَّر القذارات الخُلقية الباطنية.
د- وبالماء النازل من سماء الغفّاريّة تطهَّر ذنوب العباد.
هـ- وبالماء النازل من سماء الملكوت تطهَّر القذارات الصوريّة.

فعُلم أنّ الحقّ تعالى جعل الماء مفتاح قربه ودليل بساط رحمته"10.

فأسماء الله تعالى هي المطهّر من كلّ دنس، وكلّ اسم له دور في التخلّص من النقص في أيّ مرتبة من مراتبه. ولأنّ حركة الإنسان نحو لقاء الله هي حركة تكامليّة، تكون معرفة الله تعالى تكامليّة أيضًا. وهكذا تزداد التجلّيات في الحركة الصعوديّة قوّة وسعة حتّى يصل السّالك إلى التجلّي الأعظم المطهّر من الذّنب الأعظم الذي عبّر عنه الإمام بالسرّ الوجوديّ أو التعيّن الخلقيّ الذي هو عبارة عن رؤية العبد وجوده مستقلًّا.

أبعاد الطّهارة
مثلما أنّ للطّهارة درجات، فإنّ لها أبعاداً بحسب شؤون الإنسان، وهذه الشؤون ثلاثة، هي: نفسه والخلق والخالق.

البعد الأول: التّعامل مع النّفس
وإذا توجّه السّالك إلى حقائق الماء ونظر إليه أثناء توجّهه إلى الطّهارة نظر من يتوجّه إلى رحمة الله الواسعة التي تطهّر جميع مراتب الذنوب وتوصل كلّ سالك إلى المقصد الأسنى، فعليه أن يبدأ في التوجّه القلبيّ إلى كيفيّة استعمال الماء وواقعه في حياته، فيقول قدس سره: "ثمّ يعيّن عليه السلام في الحديث الشريف وظيفة أخرى ويفتح طريقًا آخر لأهل السلوك والمراقبة، يقول عليه السلام: "تفكَّرْ في صفاء الماء ورقّته وطهره وبركته ولطيف امتزاجه بكلّ شيء واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها، وأتِ بآدابها في فرائضه وسننه، فإنّ تحت كلّ واحدة منها فوائد كثيرة، فإذا استعملتها بالحرمة انفجرت لـك عيون فوائـده عن قريب"11.

"أشار عليه السلام في هذا الحديث الشّريف إلى مراتب الطّهارة بشكل عام، وبيّن مراتبه الكليّة الأربع، أحدها ما ذكر في الحديث الشّريف، وهو تطهير الأعضاء.

وأشار عليه السلام إلى أنّ أهل المراقبة والسّلوك إلى الله يلزم ألّا يتوقّفوا عند صور الأشياء وظواهرها، بل لا بدّ أن يجعلوا الظّاهر مرآة للباطن ويستكشفوا من الصّور الحقائق ولا يقنعوا بالتّطهير الصوريّ، فإنّ القناعة بالتّطهير الصوريّ فخّ إبليس. فينتقلوا من صفاء الماء إلى تصفية الأعضاء، ويصفّوها بأداء الفرائض والسّنن الإلهيّة، ويرقّقوا الأعضاء برقّة الفرائض والسّنن ويخرجوها من غلظة التعصّي، ويسروا الطّهور والبركة في جميع الأعضاء، ويدركوا من لطف امتزاج الماء بالأشياء كيفيّة امتزاج القوى الملكوتيّة الإلهيّة بعالم الطّبيعة، ولا يدعوا قذارات الطّبيعة تؤثّر فيها.

فإذا تلبّست أعضاؤهم بالسّنن والفرائض الإلهيّة وآدابها، تظهر فوائدها الباطنية بالتدريج، وتتفجّر عيون الأسرار الإلهيّة وتنكشف لهم لمحة من أسرار العبادة والطّهارة"12.

"فبيّن عليه السلام في الحكم الأوّل ما يرتبط بتعامل الإنسان السّالك مع قواه الداخلية وأعضائه"13.

فمن رعى حرمة الأحكام وحدودها، أعطته من أسرارها بقدر ما يقبل بقلبه ويستعد. ولا شكّ بأنّ من أعظم معاني الماء هو قدرته العجيبة على بثّ الحياة في الأشياء، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ14، فأينما وُجد الماء نبعت الحياة. وهكذا المؤمن في تعامله مع عالم الطّبيعة ومع كلّ ميّت في عالم الوجود يبثّ فيه الحياة المعنويّة.

البعد الثاني: التّعامل مع الخلق
والأدب الآخر الذي يجب مراعاته أثناء التوجّه إلى الماء للطّهارة هو ما يرتبط بتفاعل الماء مع غيره من العناصر، لكي يستفيد السّالك منه في تعامله مع الخلق، فيقول قدس سره: "ولما فرغ عليه السلام من بيان المرتبة الأولى من الطّهارة وكيفيّة تحصيلها، شرع في بيان الوظيفة الثانية، وقال: "ثمّ عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالأشياء يؤدّي كل شيء حقّه ولا يتغّير عن معناه، معتبرًا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مثل المؤمن المخلص (الخالص) كمثل الماء"15"16.

"والحكم الثاني الذي هو في هذه الفقرة من الحديث الشريف يرتبط بتعامل الانسان مع خلق الله، وهذا حكم جامع يبيّن كيفية معاشرة السّالك للمخلوقات، وُيستفاد منه ضمنًا حقيقة الخلوة، وهي أنّ السّالك إلى الله في نفس الوقت الذي يعاشر كلّ طائفة من النّاس بالمعروف ويردّ الحقوق الخلقية، ويتعامل مع كلّ واحدٍ ويعامله بما يناسب حاله، فهو في الوقت نفسه لا يتجاوز الحقوق الإلهيّة، ولا يهمل معناها، وهي العبادة والعبودية والتوجّه إلى الحقّ. فهو في الكثرة في عين الخلوة، وقلبه الذي هو منزل المحبوب خالٍ من الأغيار، وفارغ من كلّ صورة ومثال"17.

البعد الثّالث: التّعامل مع الله
"ثمّ ذكر عليه السلام الحكم الثالث وهو كيفية تعامل السّالك مع الحق تعالى، فقال: "ولتكن صفوتك مع الله في جميع طاعتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء وسمّاه طهورًا".

"أي يلزم للسّالك إلى الله أن يكون خالصًا من تصرّف الطّبيعة، ولا يكون لكدورتها وظلمتها طريق إلى قلبه، وتكون جميع عباداته خالية من جميع أنواع الشّرك الظّاهريّ والباطنيّ.

وكما أنّ الماء في وقت نزوله من السّماء طاهر وطهور لم تمتد إليه يد تصرّف القذارات، كذلك السّالك بالنسبة لقلبه الذي نزل من سماء عالم غيب الملكوت طاهرًا ومنزّهًا، فلا يتركه يقع تحت تصرّف الشّيطان والطّبيعة ويتلوّث بالقذارات".

"وبعد هذا بيّن عليه السلام الحكم الأخير الجامع لأهل الرياضة والسلوك، وقال: "وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند تطهير جوارحك بالماء"، وفي هذا إشارة إلى مقامين شامخين لأهل المعرفة، الأول: التقوى، وكمالها ترك غير الحق، والثاني: اليقين وكماله مشاهدة حضور المحبوب"18.

* كتاب الآداب المعنوية للصلاة في ضوء فكر الإمام الخميني(قده)


1- سورة الكهف، الآية 65.
2- سورة الفرقان، الآية 48.
3- سورة الأنبياء، الآية 30.
4- الامام جعفر الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، ص 128 - 129.
5- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 72 - 73.
6- م.ن، ص 73.
7- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 73.
8- م.ن، ص 73.
9- م.ن، ص 73.
10- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 73 - 74.
11- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج1، ص 354.
12- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 74.
13- م.ن، ص 75.
14- سورة الأنبياء، الآية 30.
15- الامام جعفر الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، ص 129.
16- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 74 - 75.
17- م.ن، ص 75.
18- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 75.

| 1634 قراءة

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد