مواقيت الصلاة
الفجر : 04:22
الشروق : 05:43
الظهر : 12:35
العصر : 16:18
المغرب : 19:44
العشاء : 20:42
منتصف الليل : 23:50
الإمساك : 04:12
X
X
الاعلان

سرّ طهارة اللباس

سرّ طهارة اللباس

سرّ طهارة اللباس

تمهيد

علاقة أخرى تظهر فيما بين مراتب النّفس الإنسانية. فإذا نظرنا من إحدى الحيثيّات سنجد أنّ كل مرتبة دانية هي ستر للمرتبة الأعلى، كما يكون اللباس سترًا للبدن. ولأنّ الصّلاة هي أعظم مظاهر الحضور بين يدي الله عزّ وجل، ولأنّ للحضور عظمة وخطر، يجب أن يراعي المصلّي مخاطر وشؤون هذه الحضرة، وإلّا استحقّ الطّرد والإبعاد.

للّباس في الصّلاة شأن، وهو أن يكون ساترًا للعورات. ولأنّ عورات الباطن هي أقبح من عورات الظّاهر، فعلى المصلّي أن يجدّ في سترها فيما لو أراد رعاية آداب الحضور بين يدي الله تعالى.

إنّ الحاضر الأكبر في محضر الله تعالى هو القلب، بمقتضى: "إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ"1، ولأنّ عيوب القلب وعوراته أقبح من أيّ شيء، فعلى المصلّي الذي يريد تحقيق حضور القلب أن يجتهد في ستر هذه العورات.

إنّ الطّرد في عالم اللاهوت لا يشبه الطّرد الموجود في عالم النّاسوت، بل هو عبارة عن عدم اللياقة وفقدان الاستعداد، لا بل هو عبارة عن رفض اللياقة ونبذ القرب.

لا يطرد الله تعالى من فيه رغبة ولياقة. وإنّما هي القذارات والعيوب التي تمنع الإنسان من الإقبال على محضر الله وطلب القرب منه.

أمّا سترها فيستلزم أمرين أساسيين، الأوّل: أن يكون السّتر لباسًا ساترًا بالكامل، والثاني: أن يكون متناسبًا مع كرامة المقام والمحضر.

لا بد من الحضور
إنّ الصّلاة فريضة واجبة على كلّ إنسان، فمن تركها كفر. وليست الصّلاة سوى الحضور الاختياريّ للعبد بين يدي الله والرّجوع إليه بالرّضا بحكم ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً2. وهذا الرّجوع الاختياريّ هو رجوع بكلّ قوى النّفس والشّعور بعظمة الحضور. فإذا لم يرجع العبد راضيًا، وإذا لم يقدّس الحضرة، فلا بدّ أن يرجع مقهورًا ومعه العذاب الأبديّ، يقول الإمام الخميني قدس سره: "اعلم أنّ الصّلاة هي مقام العروج إلى مقام القرب والحضور في محضر الأنس، ويلزم للسّالك مراعاة آداب الحضور في محضر ملك الملوك المقدّس. وحيث إنّ أدنى المراتب والمراحل لظهور النّفس التي هي قشر القشر والبدن الصوريّ الملكيّ، إلى أعلى مقاماتها وحقائقها التي هي لبّ اللباب ومقام سرّ القلب، حاضرة في المحضر المقدّس للحقّ، فعلى السّالك أيضًا أن يستحضر ويعرض جميع الجنود الباطنة والظّاهرة لممالك السرّ والعلن على محضر الحقّ جلّ وعلا، ويقدّم إلى محضره المقدّس جميع الأمانات التي وهبها الله سبحانه بيد قدرة الجمال والجلال، وقد كانت في كمال الطّهارة والصّفاء ومن دون تصرّف أحد من الموجودات، ويردّها إليه كما أعطاه سبحانه إياها"3.

مراتب الستر بحسب مراتب النّفس
ولمّا كان الحضور مستلزمًا لستر القبائح في حضرة الربّ المتعال، وإلّا لاعتبر العبد هاتكًا وبربّه مستخفّا، كان على العبد أن يعرف قبائح نفسه وعورات باطنه ويسترها بحسبها، لهذا يقول الإمام الخميني قدس سره: "ففي أدب الحضور مخاطر كثيرة لا يجوز للسّالك أن يغفل عنها لحظةً واحدة، ولا بدّ له أن يجعل طهارة اللباس الذي هو ساتر للقشر، بل قشر القشر، وسيلة لطهارة الألبسة الباطنيّة، وليعلم أنّه كما أنّ:
1- هذا اللباس الصّوريّ ساتر، وهو لباس للبدن الملكيّ.
2- فإنّ نفس البدن ساتر للبدن البرزخيّ، والبدن البرزخيّ موجود الآن ولكنّه في ستر البدن الدنيويّ وحجابه.
3- والبدن البرزخيّ ساتر ولباس وحجاب للنفس.
4- والنّفس ساترة للقلب.
5- والقلب ساتر للروح.
6- والروح ساتر السرّ.
7- والسرّ ساتر اللطيفة الخفية.
إلى غير ذلك من المراتب.

وكلّ مرتبة نازلة ساترة للمرتبة العالية... ومجموع هذه المراتب، وإن كان موجودًا في خلّص أهل الله وسائر النّاس منها محرومون، لكن حيث إنّ بعض المراتب موجودة في الكلّ، فلهذا نشير إليه فقط"4.

وجود المرتبة يعني أنّها فاعلة ومتفاعلة مع العالم المتناسب معها، وعدم وجودها يعني أنّها كامنة لا تأثير ولا تأثّر لها. ولا شكّ بأنّ خُلّص أولياء الله تعالى يتمتّعون بجميع مراتب النّفس، لأنّهم متفاعلون مع جميع عوالم الوجود ومدركون لها.

إنّ كل مرتبة من مراتب النّفس هي في الواقع تجلٍّ وظهورٌ للمرتبة الأعلى منها وكاشفةٌ لها. فمن أراد أن يعرف ما في ملكوته يمكنه أن يعرفه من ناسوته إن لم يكن من أصحاب البصيرة، لأنّ ناسوت المرء وملكه وظاهره تجلٍّ لملكوته وباطنه.

وفي الوقت نفسه، تخفي المرتبة الأدنى حقيقة المرتبة الأعلى وتسترها. فإذا استفاد السّالك من هذه الستّاريّة وقام بوظائفها، كان كمن يقمع عيوب المرتبة الأعلى ويكبتها. ولمثل هذا القمع والسّتر فائدة عظيمة، وهي أنّها تكون عاملًا مهمًّا في القضاء على تلك العيوب.

وبعبارةٍ مختصرة: إنّ الذي يستحي أن تظهر عوراته الباطنية، سيتخلّص منها في نهاية المطاف. فمن كان قلبه ملتاثًا بحب الدّنيا لكنّه ستر هذا الحبّ ومنع ظهوره في ساحة العمل أو الأخلاق، سيخنقه ويقضي عليه عمّا قريب. وأقوى منه لو أكمل الستر بتخلّقه بالزهد والورع والعفّة. وإنّما يكتمل الستر بأمرين: أن يكون خافيًا وقامعًا للعيوب، وأن يكون كريمًا مكرمًا لصاحبه. ولا كرامة كالأخلاق الفاضلة.

الستر بحسب العورة
وها نحن قد تعلّمنا في مجتمعنا كيفيّة ستر عورات البدن، فهل نعرف كيف نستر عورات النّفس في جميع مراتبها؟ ولأجل ذلك ينبغي أن نعرف تلك العورات أولًا.

1- ستر الأفعال والجوارح:
يقول الإمام الخميني قدس سره: "فليعلم أنّه كما لا تتحقّق صورة الصّلاة بدون طهارة اللباس والبدن، وأنّ القذارات التي هي رجس للشيطان ومبعدة عن محضر الرحمن، هي من موانع الدخول إلى المحضر، وتبعد المصلّي الملوّث لباسه وبدنه برجز الشّيطان عن محضر القدس، وتمنعه من مقام الأنس. كذلك قذارات المعاصي والتمرّد على الحقّ التي هي من تصرّفات الشّيطان ومن رجس هذا الخبيث وقاذوراته، هي من موانع ورود المحضر. فالمتلبّس بالمعاصي قد نجّس ساتر البدن البرزخيّ، ولا يتمكّن مع هذه القذارة أن يرد إلى محضر الحقّ.

وتطهير هذا اللباس من شرائط تحقّق الصّلاة الباطنية وصحّتها. وما دام الإنسان في حجاب الدّنيا لا يطّلع على ذلك البدن الغيبيّ وطهارة لباسه وقذارته وشرطيّة الطّهارة ومانعيّة القذارة فيها. ولكنّه إذا خرج من هذا الحجاب، وطوى سلطانُ الباطن ويومُ الجمع بساطَ التفرقة الظّاهر، وطلعت شمس الحقيقة من وراء الحجب الدنيوية المظلمة، وانفتحت البصيرة الباطنية الملكوتية وأغلقت البصيرة الحيوانية الملكية، فسوف يدرك بعين البصيرة أنّ صلاته كانت فاقدة للطّهارة طوال الوقت، وكانت محاطة بآلاف الموانع، التي كان كلّ واحدٍ منها سببًا مستقلًّا للإبعاد عن محضر الحقّ المقدّس. ومع آلاف الأسف، ليس في ذلك اليوم طريق للجبران ولا حيلة للإنسان، وكلّ ما يبقى له حين ذاك هو الحسرات والندامات، ندامات لا نهاية لها، وحسرات لا انتهاء لها ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ5"6.

2- ستر الأخلاق والمثال:
"فإذا حصلت طهارة اللباس الباطنيّ، فيلزم طهارة الجسم الملكوتيّ أيضًا من رجز الشّيطان. وهو عبارة عن التّطهير من أرجاس الأخلاق الذّميمة، التي يلوّث كلّ منها الباطن، ويبعّد الإنسان عن المحضر ويطرده من بساط قرب الحقّ. وهي أيضًا من رجس الشّيطان البعيد عن الرّحمة. وإنّما أصول جميع الذّمائم ومبادئها هي العجب وحبّ النّفس والتّكبّر والتّظاهر والتّعصّب، وكلٌّ منها مبدأ كثير من الذّمائم الأخلاقيّة ورأس كثير من الخطيئات"7.

3- ستر القلب والحب:
"فاذا فرغ السّالك من هذه الطّهارة، وطهّر لباس التقوى بماء التوبة النصوح والرياضة الشرعية، عليه أن يشتغل بتطهير القلب الذي هو السّاتر الحقيقيّ، وتصرّف الشّيطان فيه أكثر وقذاراته سارية إلى سائر الألبسة والسواتر، وما لم يطهّره، لن تتيسّر سائر الطهارات"8.

وفي كيفية تطهير القلب يقول الإمام قدس سره: "ولتطهيره مراتب يُشار إلى بعضها بما يناسب هذه الأوراق: أحدها: التطهير من حبّ الدّنيا، الذي هو رأس كلّ خطيئة ومنشأ جميع المفاسد. وما دامت هذه المحبّة في قلب الإنسان لا يتيسّر له الورود إلى محضر الحقّ. ومع هذه القذارة لا تتحقّق المحبّة الإلهيّة التي هي أمّ الطّهارات. ولعلّه ما اهتُمّ بشيء في كتاب الله ووصايا الأنبياء والأولياء عليهم السلام، وخصوصًا أمير المؤمنين عليه السلام، مثلما اهتُمّ بترك الدّنيا والزّهد فيها والإعراض عنها الذي هو من حقائق التقوى.

ولا تحصل هذه المرتبة من التّطهير إلّا: بالعلم النافع، والرّياضات القلبيّة القويّة، وصرف الهمّة في التفكّر في المبدأ والمعاد، وإشغال القلب بالاعتبار في أفول الدّنيا وخرابها وكرامة العوالم الغيبيّة وسعادتها، "رحم الله امرءًا علم: من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟"9.

ومنها: التّطهير من الاعتماد على الخلق الذي هو شركٌ خفيّ، بل هو عند أهل المعرفة شركٌ جليّ. ويحصل هذا التّطهير بالتّوحيد الفعليّ للحقّ جلّ وعلا الذي هو منبع الطّهارات القلبيّة.

ولا بدّ أن يُعلم أنّ مجرّد العلم البرهانيّ والسّير التفكّري في باب التوحيد الفعليّ لا ينتج النتيجة المطلوبة، بل ربّما تكون كثرة الاشتغال بالعلوم البرهانيّة سببًا لظلمة القلب وكدورته، وتمنع الإنسان من المقصد الأعلى. وفي هذا المقام قيل "العلم هو الحجاب الأكبر".

وفي عقيدة الكاتب، إنّ جميع العلوم عمليّة حتّى علم التوحيد. ولعلّه يُستفاد كونه عمليًّا من كلمة التوحيد التي هي تفعيل، فبحسب ما يناسب الاشتقاق إنّ التوحيد عبارة عن الانتقال من الكثرة إلى الوحدة وجعل جهات الكثرة مستهلكة ومضمحلّة في عين الجمع. ولا يحصل هذا المعنى بالبرهان، بل يجب تنبيه القلب بالرياضات القلبيّة والتوجّه الغريزيّ إلى مالك القلوب بما أفاده البرهان حتى تتحقّق حقيقة التّوحيد.

أجل، إنّ البرهان يقول لنا: "لا مؤثّر في الوجود إلاّ الله"، وهذا أحد معاني "لا إله إلا الله"، وببركة هذا البرهان نقطع يد تصرّف الموجودات عن ساحة كبرياء الوجود ونرجع ملكوت العوالم ومُلكها إلى صاحبها، ونظهر حقيقة ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ10، و ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ11، و ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ12.

ولكن، ما لم يصل هذا المطلب البرهانيّ إلى القلب ويصبح صورة باطنيّة للقلب، فلا ننتقل من حدّ العلم إلى حدّ الإيمان، ولا يكون لنا من نور الإيمان الذي ينوّر مملكة الباطن والظّاهر سهم ونصيب. فلهذا، مع وجود البرهان على هذا المطلب الإلهيّ الشّامخ، فنحن واقعون في التكثير وليس عندنا خبر من التوحيد الذي هو قرّة عين أهل الله، ندقّ طبل لا مؤثّر في الوجود إلّا الله، ومع ذلك نمدّ عين الطّمع ويد الطّلب إلى من هو أهل وغير أهل، شعر:
قدم الاستدلالّيين خشبية والقدم الخشبية متزلزلة

وهذا التطهير من المقامات الجليلة للسّالكين. ومن بعده مقامات أُخر خارجة عن حدودنا، ولعلّه يرد في هذه الأوراق لها ذكر في وقتها إن شاء الله"13.

فكلّ العوالم ليست سوى تشعشعات وجه الجميل المطلق. ولا كثرة فيه بالحقيقة، فهي أنوار حقيقة واحدة. والعارف هو الذي يرى العوالم رغم كثرتها الظّاهرية مستغرقة في أمر واحد.

* كتاب الآداب المعنوية للصلاة في ضوء فكر الإمام الخميني(قده)


1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج68، ص 248.
2- سورة الفجر، الآيتان 27-28.
3- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 101 - 102.
4- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 102.
5- سورة مريم، الآية 39.
6- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 102 - 103.
7- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 103.
8- م.ن.
9- الفيض الكاشاني، الوافي، ج1، ص 116.
10- سورة البقرة، الآية 116.
11- سورة المؤمنون، الأية 88.
12- سورة الزخرف، الآية 84.
13- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 103 - 105.

| 1614 قراءة

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد