مواقيت الصلاة
الفجر : 04:22
الشروق : 05:43
الظهر : 12:35
العصر : 16:18
المغرب : 19:44
العشاء : 20:42
منتصف الليل : 23:50
الإمساك : 04:12
X
X
الاعلان

آداب القيام وأسراره

آداب القيام وأسراره

آداب القيام وأسراره

تمهيد
لمّا كان توحيد الحقّ تعالى قولًا وعملًا، قلبًا وقالبًا، هو المقصد الأعلى لدعوة الأنبياء، وكانت وسيلتهم لبلوغ ذلك التوحيد هي العبادة التي تذكّر بوحدانيته. فإنّ على السالك أن يكتشف مظاهر التوحيد في جميع العبادات القلبيّة والقالبية. ومن خلال هذا التوجّه القلبي إلى المعاني والمظاهر، ومن خلال رعاية آدابها المعنوية، تتحقّق درجات التوحيد في جميع مراتب وجود الإنسان. ولا شكّ بأنّ الصلاة هي أعظم أركان العبادة، فلهذا تتجلّى فيها مراتب التوحيد بأبهى صورة.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "إنّ عمدة مقصد وهدف الأنبياء العظام وتشريع الشرائع وتأسيس الأحكام ونزول الكتب السماويّة، وخصوصًا القرآن الجامع الشّريف الذي صاحبه ومكاشفه نور الرّسول الخاتم المطهّر صلى الله عليه وآله وسلم، هي نشر التوحيد والمعارف الإلهيّة وقطع جذور الكفر والشرك والثانوية. وسرّ التوحيد والتجريد سارٍ وجارٍ في جميع العبادات القلبيّة والقالبية، بل إنّ العبادات، كما كان الشيخ العارف الكامل الشاه آبادي - روحي فداه - يقول، هي إجراء التوحيد من باطن القلب إلى ملك البدن"1.

السرّ الاجمالي للقيام
لمّا كانت الصلاة عصارة السلوك إلى الله، فهي عبادة جامعة لكلّ المقامات المعنويّة.

ولمّا كانت جميع المقامات المعنوية مختصرة في معرفة الله والقرب منه، فلا يوجد تعبير عن هذه المعرفة أجلّ وأسمى من التوحيد، ولهذا تختصر مدارج معرفة الله بمدارج التوحيد ومراتبه، وأهمّها ثلاث:

التوحيد الأفعالي الذي فيه يثبت رجوع كلّ تأثير في الوجود إلى الله تعالى.

التوحيد الصفاتي الذي يعني أنّ كلّ كمال في الوجود هو كمال الله تعالى ومنه.

التوحيد الذاتي الذي يعني أنّ كلّ وجود يرجع إلى وجود الله ويقوم به.

يقول الإمام الخميني قدس سره في بيان علاقة القيام في الصلاة بالتوحيد الأفعالي: "اعلم أنّ أهل المعرفة يرون القيام إشارة إلى التوحيد الأفعالي، كما أنّ الركوع عندهم إشارة إلى التوحيد الصفاتي والسجود إلى التوحيد الذاتي، ويأتي بيانهما في محلّهما.

وأمّا الكلام بأنّ القيام إشارة إلى التوحيد الفعليّ، فهو أنّ في القيام نفسِه إشارةً إلى هذا التوحيد وضعًا (أي بحسب الوضعية)، وفي القراءة إشارة إليه لفظا"2.

و"أما أنّ القيام فيه إشارة إلى التوحيد الأفعالي وضعًا، فهو أنّ القيام إشارة إلى قيام العبد بالحقّ ومقام قيّوميّة الحقّ وهو التجلّي بالفيض المقدّس والتجلّي الفعلي. وتظهر في هذا المقام فاعلية الحقّ وتستهلك جميع الموجودات في التجلّي الفعلي وتضمحلّ تحت كبريائه الظهوري"3.

إنّ وضعية القيام هي أظهر وضعية يعبّر فيها الانسان عن حضوره الفعلي. وذلك إذا قارنّا جميع أوضاعه به، كالجلوس والاتّكاء والركوع والنوم، ولهذا، فإنّ أوّل ما يفقده الإنسان في عجزه هو القدرة عن القيام. وعندما يقيم العبد نفسه بين يدي ربّه خاضعًا متذلّلاً، فإنّه بذلك يقدّم كلّ وجوده الفعلي لله تعالى، ويكون ذلك مقدّمة للتوحيد الفعلي.

وأوّل فناء للممكنات والكائنات هو فناء أفعالها في فعل الحقّ تعالى. هناك حيث يشهد العارف المكاشف أنّه ما من فعل ولا تأثير إلا ويرجع إلى فعل الله تعالى وتأثيره. فقد قضى الله وصدر الفعل الواحد منه بالأمر الواحدة، وبعدها صارت جميع الأفعال ترجمة فعله المطلق.

"وأمّا انّ في القراءة إشارة إلى مقام التوحيد الفعلي لفظاً، فسيأتي تفصيله في تفسير سورة الحمد المباركة، إن شاء الله"4.

معنى النظر إلى محلّ السّجود
وحيث ذُكر أنه يستحب، بل يلزم، للمصلّي أن يقصر النظر في قيامه على موضع سجوده، فلهذا هذا الحكم سرّ آخر، يكشف الإمام الخميني قدس سره عن بعضه قائلاً: "كما أنّ في النظر إلى محلّ السّجود أثناء القيام وهو التراب والنشأة الأصليّة وخضوع الرقبة وتنكيس الرأس الذي هو لازم للخضوع، إشارة إلى الذلّ والفقر الإمكاني والفناء تحت عزّ الكبرياء وسلطانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ5"6.

آداب القيام
إذا كانت حقيقة القيام ترجع إلى التوحيد، فما هي الآداب التي ينبغي أن يقوم السالك برعايتها؟ هنا يذكر الإمام الخميني قدس سره الآداب الإجمالية في هذا المقام قائلاً: "والأدب العرفاني للسالك في هذا المقام أن:
1- يتذكّر بقلبه هذه اللطيفة الإلهيّة،
2- ويترك التعيّنات النفسيّة ما استطاع،
3- ويذكّر القلب بحقيقة الفيض المقدّس،
4- ويوصل إلى باطن القلب نسبة قيّومية الحقّ وتقوّم الخلق بالحقّ"7.

ولعلّه لا يوجد اسم معبّر عن هذا التوحيد كالقيّوم، لأنّ قيام كلّ شيء وفعليّته إنّما يكون بقيّوميّة الحقّ تعالى.

لا ننسى أنّ الآداب المعنوية القلبيّة هي عبارة عن توجّه القلب واستحضار المعنى المرموز في كلّ فعل أو حركة أثناء القيام بها. ففي القيام معانٍ جليلة يُعدّ التوجّه إليها من الآداب اللازمة لتحقيق الفوائد والغايات المرجوّة منه، حيث يقول الإمام قدس سره في مورد استعراضه للآداب نح تفصيلي:

"وهي:
1- أن يرى السّالك نفسه حاضرًا في محضر الحقّ،
2- ويعدّ العالم محضر الرّبوبيّة،
3- ويحسب نفسه من حضّار المجلس مقيمًا بين يدي الله،
4- ويوصل إلى قلبه عظمة الحاضر والمحضر،
5- ويفهّم القلبَ أهمية مناجاة الحقّ تعالى وخطرها،
6- ويهيّئ قلبه قبل الورود في الصلاة بالتفكّر والتدبّر،
7- ويفهمه عظمة المطلب،
8- ويلزمه بالخضوع والخشوع والطمأنينة والخشية والخوف والرجاء والذلّ والمسكنة إلى آخر الصلاة. ويشارط القلب أن يراقب هذه الأمور ويحافظ عليها،
9- ويتفكّر ويتدبّر في أحوال أعاظم الدين وهداة السبل، كيف كانت حالاتهم في الصلاة، وكيف كانوا يتعاملون مع مالك الملوك،
10- ويتّخذ من أحوال أئمّة الهدى أسوة لنفسه، ويتأسّى بهؤلاء الأعاظم، ولا يكتفي من تاريخ حياة أعاظم الدين وأئمّته بتاريخ ولاداتهم ووفياتهم ومقدار أعمارهم الشريفة وأمثال هذه الأمور التي لا تترتّب عليها فائدة جليلة، بل يكون عمدة سيره في سيرهم وسلوكهم الإيماني والعرفاني، كيف كانت معاملاتهم في العبودية، وكيف كان مشيهم في السير إلى الله، وما هو مبلغ مقاماتهم العرفانية التي تستفاد من كلماتهم الإعجازية"8.

ونظرًا إلى أهميّة الأدبين الأخيرين، يفصّل الإمام قدس سره فيهما، لما فيهما من تأثير كبير على تفعيل حياتنا المعنويّة. وكأنّ الإمام قد شعر ها هنا بفتورنا وإعراضنا عن هذه المعاني، فأراد أن يذكّرنا انطلاقًا من حبّنا وتعلّقنا بأئمّة الهدى عليهم السلام.

النتائج والآثار
ومن الطبيعيّ أن يكون لرعاية الأدب والمواظبة عليه أثر، بل آثار. وقد ذكر الإمام الخميني بعض هذه الآثار، فقال قدس سره: "فإذا تمكّنت هذه الحقيقة في قلب السالك:
1- تقع قراءته بلسان الحقّ، ويكون الذاكر والمذكور ذات الحقّ،
2- وينكشف بعض أسرار القدر لقلب العارف،
3- ومعنى "أنت كما أثنيت على نفسك"9 و"أعوذ بك منك"10 ببعض مراتبه،
4- ويجد قلب العارف بعض أسرار الصلاة"11.

فإذا فني السالك في توحيد الحقّ الفعليّ، وتخلّى عن حوله وقوّته، سيجد معنى حول الله وقوّته ويدرك حقيقة ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى12، فيجري الله على يديه كلّ معاني التّأثير الإلهيّ، وهو أوّل مراتب الولاية.

ولأنّ العالم كلّه يجري وفق مشيئة الله، ولأنّ كلّ ما يحدث فيه ويقدّر ليس سوى ظلّ الفعل الإلهيّ المطلق والتّقدير الربّانيّ المحكم، فإنّ ما يدركه العبد من الفناء في توحيد الحقّ الأفعالي سينعكس على اطّلاعه على بعض مراتب أسرار التقدير الإلهيّ للعباد.

وهناك يشهد الموحّد كيف أنّه لا ثناء على الذات إلّا من الذات، لأنّ الثناء في بعض مراتبه فعل، وكلّ فعل هو فعل الله تعالى، ولا يمكن للعبد أن يلجأ إلى الله إلا به.

الاستفادة من مقامات أئمّة الهدى عليهم السلام
فقال قدس سره: "فيا أسفًا علينا، نحن أهل الغفلة وسكر الطبيعة والمغرورون بلا مبرر، خلفاء الشيطان الخبيث في جميع الأمور، ولا نستيقظ أبداً من النوم الثقيل، ولا نخرج من النسيان الدائم، وإنّ استفادتنا من مقامات أئمّة الهدى ومعارفهم قليلة إلى الدرجة التي لا تعدّ شيئاً. ها قد اكتفينا من تاريخ حياتهم بالقشر والصورة، وصرفنا النظر كلياً عمّا هو غاية لبعثة الأنبياء عليهم السلام. وفي الحقيقة ينطبق علينا المثل المعروف: استسمن ذا ورم.

ونحن نذكر في هذا المقام بعض الروايات الواردة في هذا الباب، فلعلّه يحصل التذكّر لبعض الإخوان المؤمنين، والحمد لله وله الشكر.

عن محمد بن يعقوب، بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: "كان علي بن الحسين عليهم السلام إذا قام إلى الصلاة تغيّر لونه، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفضّ عرقا"13.

وبإسناده عنه عليه السلام، قال: "كان أبي يقول: كان علي بن الحسين إذا قام إلى الصلاة كأنّه ساق شجرة، لا يتحرّك منه شيء إلّا ما حرّكت الريح منه"14.

وعن محمد بن علي بن الحسين في العلل، بإسناده عن أبان بن تغلب، قال: "قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إنّي رأيت علياً بن الحسين إذا قام إلى الصلاة غشي لونه لون آخر، فقال لي: والله، إنّ عليًّا بن الحسين كان يعرف الذي يقوم بين يديه"15.

وعن السيد علي بن طاووس، في فلاح السائل في حديث، فقال أبو عبدالله عليه السلام: "لا تتمّ الصلاة إلا لذي طهرٍ سابغ وتمامٍ بالغ غير نازغ ولا زائغ، عرف فوقف، وأخبت فثبت، فهو واقف بين اليأس والطمع والصبر والجزع، كأنّ الوعد له صنع، والوعيد به وقع، يذلّ عرضه ويمثّل عرضه، وبذل في الله المهجة، وتنكبّ إليه المهجة، غير مرتغم بارتغام، يقطع علائق الاهتمام بعين من له قصد وإليه رفد ومنه استرفد، فإذا أتى بذلك كانت هي الصلاة التي بها أمر وعنها أخبر، وإنها هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر"16 الحديث.

وعن محمد بن يعقوب، بإسناده إلى مولانا زين العابدين عليه السلام، أنّه قال: "وأمّا حقوق الصلاة، فأن تعلم أنّها وفادة إلى الله، وأنّك فيها قائم بين يدي الله، فإذا علمت ذلك كنت خليقًا أن تقوم فيها مقام العبد الذليل الراغب الراهب الخائف الراجي المسكين المتضرّع المعظّم مقام من يقوم بين يديه بالسكينة والوقار وخشوع الأطراف ولين الجناح وحسن المناجاة له في نفسه والطلب إليه في فكاك رقبته التي أحاطت بها خطيئته واستهلكتها ذنوبه، ولا قوّة إلا بالله"17.

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "اعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك"18.

وعن فقه الرضا عليه السلام: "فإذا أردت أن تقوم إلى الصلاة، فلا تقم إليها متكاسلًا ولا متناعسًا ولا مستعجلًا ولا متلاهيًا، ولكن تأتيها على السكون والوقار والتؤدة، وعليك الخشوع والخضوع، متواضعًا لله عزّ وجلّ متخاشعًا، عليك الخشية وسيماء الخوف، راجيًا خائفًا بالطمأنينة على الوجل والحذر، فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه، فصفّ قدميك، وانصب نفسك، ولا تلتفت يمينًا وشمالًا، وتحسب كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك"19 الحديث.

وفي عدّة الداعي روى "أنّ إبراهيم عليه السلام كان يُسمع تأوّهه على حدّ ميل حتّى مدحه الله بقوله: إنّ إبراهيم لحليمٌ أوّاه منيب، وكان في صلاته يُسمع له أزيز كأزيز المرجل، وكذلك يسمع من صدر سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك، وكانت فاطمة عليها السلام تنهج في الصلاة من خيفة الله"20، إلى غير ذلك من الأخبار.

والأخبار الشريفة في هذه الموضوعات أكثر من أن يسعها هذا المختصر، وفي التفكّر فيما ذكر منها كفاية لأهل التذكّر والتفكّر، سواء فيما يتعلّق بالآداب الصورية أو الآداب القلبيّة والمعنوية وكيفية القيام بين يدي الله.

وتفكّر في حالات عليّ بن الحسين ومناجاته مع الحقّ تعالى وأدعيته اللطيفة التي تعلّم عباد الله آداب العبودية. لا أقول أنّ مناجاتهم عليهم السلام كانت لتعليم العباد، فإنّ هذا الكلام الأجوف الباطل يصدر من الجهل بمقام الربوبية ومعارف أهل البيت، فإنّ خوفهم وخشيتهم كانت أكثر من جميع الناس، وقد تجلّت عظمة الحقّ وجلاله في قلوبهم أكثر من الكلّ، ولكنّي أقول: لا بدّ أن يتعلّم عباد الله منهم كيفيّة العبودية والسّلوك إلى الله تعالى. فإذا قرؤوا أدعيتهم ومناجاتهم فلا تكون القراءة لقلقة لسان، بل يتفكّروا في كيفية تعاملهم مع الحقّ وإظهارهم التذلّل والعجز والحاجة للذّات المقدّسة.

ولعمر الحبيب، أنّ عليّ بن الحسين من أعظم النّعم التي منّ بها ذات الحقّ المقدّس على عباده، وأنزله من عالم القرب والقدس لأجل تفهيم عباده طرق العبوديّة، ولتسألنّ يومئذ عن النعيم... وإذا سئلنا لماذا لم نقدّر هذه النعمة ولم نستفد من هذا الرجل العظيم؟ فلا نحير جوابًا، إلّا أنّ ننكّس رؤوسنا ونحترق بنار الندامة والأسف، ولا ينفع حينذاك الندم"21.

اكتشف الحياة الحقيقية22
أيّها العزيز، الآن فرصتك والعمر العزيز الذي هو رأسمالك بيدك، وطريق السلوك إلى الله مفتوح وأبواب رحمة الحقّ مفتوحة والسلامة متحقّقة وقوّة الأعضاء والقوى، ودار زرع عالم الملك قائمة، فاجمع همّتك واعرف قدر هذه النعم الإلهيّة واستفد منها وحصّل الكمالات الروحانية والسعادات الأزلية والأبدية، وخذ نصيبًا من هذه المعارف الكثيرة التي بسطها القرآن الشريف السماوي وأهل بيت العصمة عليهم السلام على بسيطة أرض الطبيعة المظلمة، ونوّروا العالم بالأنوار الإلهيّة الساطعة، ونوّر أرض طبيعتك المظلمة بالنور الإلهيّ، ونوّر بنور الحقّ تعالى بصرك وسمعك ولسانك وسائر القوى الظاهرة والباطنة، وبدّل هذه الأرض الظلمانية إلى أرض نورانية، بل إلى سماء عقلانية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ23، ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَ24.

ففي ذلك اليوم إن لم تتبدّل أرضك غير الأرض، ولم تتنوّر بنور الربّ فلك ظلمات ومشقّات وأنواع من الوحشة والظلمة والذلّة والعذاب.

فاليوم، إنّ قوانا الظاهرة والباطنة مظلمة بالظلمات الشيطانية، وأنا أخشى إذا بقينا على هذه الحال فبالتدريج تتبدّل الأرض الهيولانية التي فيها نور الفطرة أرضًا سجّينيّة مظلمة خالية من نور الفطرة ومحجوبة عن جميع أحكام فطرة الله. وتلك شقاوة ليس بعدها سعادة، وظلمة لا يعقبها نور ووحشة، لا ترى وجه الاطمئنان، وعذاب ليس وراءه راحة. فمن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور... أعوذ بالله من غرور الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء.

إنّ عمدة مقصد وهدف الأنبياء العظام وتشريع الشرائع وتأسيس الأحكام ونزول الكتب السماوية، وخصوصًا القرآن الجامع الشّريف الذي صاحبه ومكاشفه نور الرّسول الخاتم المطهّر صلى الله عليه وآله وسلم، هي نشر التوحيد والمعارف الإلهيّة، وقطع جذور الكفر والشّرك والثانوية. وسرّ التّوحيد والتّجريد سارٍ وجارٍ في جميع العبادات القلبيّة والقالبية، بل إنّ العبادات كما كان الشيخ العارف الكامل الشاه آبادي - روحي فداه - يقول، هي إجراء التوحيد من باطن القلب إلى ملك البدن.

وبالجملة، النتيجة المطلوبة من العبادات هي تحصيل المعارف وتمكين التوحيد وسائر المعارف في القلب، وهذا المقصد لا يحصل إلّا بأن يستوفي السالك الحظوظ القلبيّة للعبادات ويعبّر من الصّورة والقالب إلى الحقيقة واللبّ، ولا يتوقّف في الدنيا والقشر، فإنّ الوقوف عند هذه الأمور أشواك طريق سلوك الإنسانية.

التحذير من قطّاع الطرق25
والذين يدعون إلى الصورة فقط وينهون الناس عن الآداب الباطنية، ويقولون: إنّه لا معنى للشريعة ولا حقيقة لها سوى هذه الصورة والقشر هم شياطين الطريق إلى الله وأشواك سبيل الإنسانية، ولا بدّ أن يُستعاذ من شرّهم بالله، فإنّهم يطفئون نور فطرة الله في الإنسان، وهو نور المعرفة والتوحيد والولاية وسائر المعارف، ويسدلون عليه حجب التقليد والجهالة والعادات والأوهام، ويمنعون عباد الله عن العكوف بجنابه والوصول إلى جماله الجميل ويسدّون طريق المعارف ويوجّهون إلى الدنيا وزخارفها وجهاتها المادية والجسمانية وعوارضها القلوب الصافية الطاهرة لعباد الله التي أودع الحقّ تعالى في خميرتها بذر المعرفة بيدي جماله وجلاله، وأرسل الأنبياء العظام وأنزل الكتب السماوية لتربية ذاك البذر وتنميته، ويصرفون تلك القلوب عن الروحانيات والسعادات العقلية، ويحصرون العوالم الغيبية والجنّات الموعودة في المأكولات الحيوانية والمشروبات والمنكوحات وسائر المشتهيات الحيوانية.

هؤلاء يظنّون أنّ الحقّ تعالى قد بسط كلّ هذه الرحمة وأنزل كتبها وأنزل ملائكته وبعث الأنبياء العظام لإدارة البطن والفرج، وغاية معارفهم أنّك إذا حفظت بطنك وفرجك في الدنيا تصل إلى شهواتها في الآخرة، فهؤلاء لا يهتمّون بالتوحيد والنبوّات بمقدار ما يهمّهم الجماع الذي يطول لمدّة خمسمئة عام! ويحسبون جميع المعارف مقدّمة لعمارة البطن والفرج، وإذا أراد حكيمٌ إلهيّ أو عارف ربّاني أن يفتح على عباد الله بابًا من الرّحمة، ويقرأ لهم صفحة من الحكمة الإلهيّة لا يمتنعون عن إلصاق أيّ تهمة وغيبة أو سبّ وتكفير به. فقد انغمسوا في الدنيا إلى حدّ، واهتمّوا بشهوات بطونهم وفروجهم إلى حيث لا يرغبون معه ، من حيث لا يشعرون ، أن تكون في دار التحقّق سعادة سوى الشّهوات الحيوانيّة، مع أنّه لو كانت في العالم سعادة عقلية فلن تضرّ بطنهم وفرجهم.

فأمثالنا ممّن لم يتجاوزوا حدّ الحيوانية، ليس لهم غير الجنّة الجسمانية وتدبير البطن والفرج، وهي أيضًا نأملها بتفضّل الله سبحانه، ولكن لا ينبغي أن نظنّ أنّ السعادة منحصرة فيها، وأنّ جنّة الحقّ تعالى محصورة بهذه الجنّة الحيوانية، بل للحقّ تعالى عوالم لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرت على قلب أحد، وإنّ أهل المحبّة الإلهيّة ومعرفة الله سبحانه لا يعتنون بشيء من تلك الجنّات ولا يتوجّهون إلى عالم الغيب والشهادة، فإنّ لهم جنّة اللقاء.

ولو أردنا أن نذكر الآيات القرآنية والأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة في هذا الباب لكان مخالفًا لوضع هذه الرسالة. وهذا المقدار أيضًا كان من طغيان القلم. وهدفنا الأساسيّ هو توجيه قلوب عباد الله لما خلقوا له، وهو معرفة الله سبحانه التي هي فوق جميع السعادات، وكلّ شيء مقدّمة لها. وليس مقصودنا من الذين هم أشواك سلوك الطريق علماء الإسلام العظام وفقهاء المذهب الجعفري الكرام (عليهم رضوان الله)، بل بعض الجهلة والمنتحلين للعلم، فإنّهم من جهة القصور والجهل لا التقصير والعناد، صاروا قطّاع طريق عباد الله، وأعوذ بالله من شرّ طغيان القلم والنيّة الفاسدة والهدف الباطل. والحمد لله أوّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.

* الآداب المعنوية للصلاة في ضوء فكر الإمام الخميني(قده)


1- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 164 - 165.
2- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 159.
3- م.ن، ص 159 - 160.
4- م.ن
5- سورة فاطر، الآية 15.
6- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 160.
7- م.ن.
8- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص160 - 161.
9- الإمام الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، ص56.
10- الشيخ الكليني، الكافي، ج3, ص324.
11- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 160.
12- سورة الأنفال، الآية 17.
13- الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص 300.
14- م.ن.
15- الشيخ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج5، ص 474.
16- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج4، ص 92.
17- م.ن، ص 93.
18- الامام جعفر الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، ص 8.
19- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج4، ص 87 - 88.
20- م.ن، ص 100.
21- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 161 - 162.
22- م.ن، ص 164 - 165.
23- سورة ابراهيم، الآية 48.
24- سورة الزمر، الآية 69.
25- الخميني، روح الله الموسوي، معراج السالكين، ص 165 - 166.

| 1633 قراءة

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد